لماذا تملكون كل هذه الشحنات؟
لماذا تأتيكم السفن محمّلة بالبضائع والأدوات والاختراعات، بينما لا نملك نحن شيئًا مشابهًا؟
ولماذا أنتم الذين جئتم إلينا، لا نحن الذين ذهبنا إليكم؟
أسئلة بسيطة في ظاهرها، لكنها كافية لفتح باب لا يبدو أن له نهاية.
فخلف تلك الشحنات والسفن والأدوات كان هناك سؤال أكبر بكثير:
لماذا تفوقت بعض الحضارات على غيرها؟
لماذا امتلك الأوروبيون السفن والمدافع والحديد والكتابة والجيوش، بينما لم تمتلك شعوب أخرى الأدوات نفسها؟
ولماذا كانت أوروبا هي التي أبحرت إلى العالم الجديد، لا إمبراطورية الإنكا التي عبرت المحيط لتكتشف أوروبا؟
لماذا لم تصل قوارب الإنكا إلى شواطئ إسبانيا؟
ولماذا لم تهبط جيوش من أمريكا الجنوبية على السواحل الأوروبية؟
ولماذا، عندما وصل الأوروبيون إلى أستراليا، وجدوا شعوبًا تعيش بطريقة مختلفة تمامًا عن مجتمعاتهم، بدل أن يجدوا حضارة أسترالية تمتلك السفن والأسلحة والتقنيات التي تمكنها من عبور المحيط والوصول إلى أوروبا؟
هل كان الأوروبيون أكثر ذكاءً؟
أكثر إبداعًا؟
أكثر قدرة على الابتكار؟
هل امتلكوا شيئًا في طبيعتهم جعلهم أقدر من غيرهم على بناء الحضارات؟
لفترة طويلة، كانت هناك إجابة جاهزة.
إجابة تبدو سهلة، لكنها تحمل افتراضًا خطيرًا.
قال بعض علماء القرنين التاسع عشر وبدايات القرن العشرين إن السبب يعود إلى العِرق؛ أي إن هناك شعوبًا أكثر قدرة من غيرها على التفكير والابتكار والسيطرة، وإن التفوق الأوروبي ليس مصادفة، بل نتيجة تفوق طبيعي.
لكن ماذا لو كان السؤال نفسه مبنيًا على افتراض خاطئ؟
ماذا لو لم تكن الحكاية حكاية بشر أذكى من بشر؟
ماذا لو بدأت الحكاية في مكان آخر تمامًا؟
علينا أن نعود أبعد.
ليس مئة سنة.
ولا ألف سنة.
بل نحو ثلاثة عشر ألف عام.
تخيل الأرض في ذلك الزمن.
لا دول.
لا إمبراطوريات.
لا جيوش محترفة.
لا مصانع.
لا جامعات.
ولا أحد يعرف أن العالم سينقسم يومًا إلى قوى عظمى وشعوب مستعمَرة.
كان البشر في مناطق واسعة من الأرض يعيشون حياة متقاربة نسبيًا.
يصطادون.
يجمعون النباتات والثمار.
يتنقلون بحثًا عن الطعام.
ثم حدث تغير بدا صغيرًا في البداية، لكنه كان كافيًا لتغيير مستقبل البشرية:
الزراعة.
لكن السؤال ليس: لماذا اخترع الإنسان الزراعة؟
السؤال الأصعب:
لماذا ظهرت الزراعة مبكرًا في بعض الأماكن، ولم تظهر بالطريقة نفسها في أماكن أخرى؟
هنا نصل إلى الأرض.
إلى الهلال الخصيب في غرب آسيا.
كانت هذه المنطقة غنية بأنواع من النباتات البرية التي يمكن زراعتها، مثل القمح والشعير، وبمحاصيل يمكن تخزينها والاستفادة منها لفترات طويلة.
لم يكن الإنسان هناك بالضرورة أذكى من الإنسان في مكان آخر.
لكن الأرض كانت تمنحه فرصة مختلفة.
وهنا تبدأ حبة القمح الصغيرة في لعب دور أكبر بكثير من حجمها.
حين يزرع الإنسان الأرض ويحصل على غذاء أكثر مما يحتاج إليه، لا يحصل على الطعام فقط.
يحصل على شيء آخر:
الفائض.
والفائض يمنحه شيئًا ثمينًا جدًا:
الوقت.
لم يعد الجميع مضطرين إلى قضاء يومهم كله في البحث عن الطعام.
يمكن لشخص أن يصبح حرفيًا.
وآخر جنديًا.
وآخر كاتبًا.
وآخر تاجرًا.
وآخر حاكمًا.
وهكذا يبدأ التخصص.
ومع التخصص يأتي النمو السكاني.
ومع النمو السكاني تظهر المجتمعات الأكبر.
ثم القرى.
ثم المدن.
ثم الدول.
ثم الجيوش.
وفجأة، تصبح حبة قمح واحدة من الحلقات الأولى في سلسلة ستقود، بعد آلاف السنين، إلى الإمبراطوريات.
لكن إذا كانت الزراعة بهذه الأهمية، فلماذا لم تنتشر بالطريقة نفسها في كل مكان؟
لم تكن أوروبا هي التي بدأت هذا المسار؛ فقد انتقلت إليها الزراعة والمحاصيل والحيوانات والمعارف تدريجيًا من مناطق أقدم في غرب آسيا، ثم راكمت المجتمعات الأوروبية فوق هذا الإرث عبر آلاف السنين.
هنا تصبح الجغرافيا أكثر أهمية مما نتخيل ..
مسافات واسعة تسمح، في مناطق كثيرة، بانتقال المحاصيل والحيوانات والأفكار بين بيئات متقاربة نسبيًا.
يمكن لمحصول أن ينتقل.
ويمكن لحيوان أن ينتقل.
ويمكن لفكرة أن تنتقل.
أما الانتقال من الشمال إلى الجنوب، فقد يعني الانتقال بين مناخات وبيئات مختلفة، الأمر الذي قد يجعل انتشار بعض المحاصيل والحيوانات أصعب.
قد تحمل بذرة من مكان إلى آخر، فتجد حرارة مختلفة.
أو أمطارًا مختلفة.
أو تربة مختلفة.
فتفشل.
وهكذا لا تنتقل الأشياء بالسرعة نفسها التي ينتقل بها الإنسان.
كانت الجغرافيا تفتح بعض الطرق، وتغلق طرقًا أخرى.
ومع مرور آلاف السنين، بدأت الفروق الصغيرة في البيئة تتحول إلى فروق أكبر في حياة البشر.
مجتمع يمتلك نباتات سهلة الزراعة يحصل على فائض من الغذاء.
والفائض يسمح بالتخصص.
والتخصص ينتج أدوات ومعارف جديدة.
والأدوات تزيد الإنتاج.
والإنتاج يسمح بإعالة عدد أكبر من السكان.
ثم تتراكم هذه الأشياء فوق بعضها.
ليس خلال سنة.
ولا خلال قرن.
بل خلال آلاف السنين.
لكن الزراعة لم تكن مجرد قصة عن الطعام.
كانت تحمل وراءها تاريخًا طويلًا من التدجين والمعرفة والتقنية.
ومع تراكم الفائض والتخصص والمعرفة والتقنية عبر أجيال، ظهرت ثلاث قوى رئيسة لعبت دورًا حاسمًا في هذا التفوق ..
السلاح: منح الفائض الغذائي المجتمعات القدرة على التخصص، فظهر جنود محترفون وحرفيون استطاعوا تطوير أدوات الحرب، حتى أصبح السلاح امتدادًا للمعرفة والتنظيم الذي صنعته الحضارة.
الجراثيم: أدى العيش قرب الحيوانات وفي المجتمعات المكتظة إلى انتشار الأمراض، ومع مرور الأجيال اكتسبت بعض الشعوب مناعة أكبر، بينما كانت هذه الأمراض مدمرة لشعوب لم تتعرض لها من قبل.
الفولاذ: لم يظهر فجأة، بل كان نتيجة تراكم المعرفة في التعدين وصناعة المعادن والأدوات، فتحول الحديد المطوّر إلى أدوات وزراعة وأسحلة أكثر فاعلية، ثم إلى قوة عسكرية.
وهنا نعود إلى السؤال الأول.
هل كان بعض البشر أذكى؟
ربما لا.
هل كانت الأرض وحدها هي التي صنعت الحضارات؟
أيضًا لا.
فالأرض تمنح الفرصة، لكن الإنسان يقرر ماذا يفعل بها.
قد يجد نباتًا فيزرعه.
وقد يجد حيوانًا فيدجنه.
وقد يرث معرفة فيضيف إليها.
وقد يفشل، ثم يحاول من جديد.
وهكذا لا يصنع الإنسان التاريخ من الصفر، ولا تكتبه الجغرافيا وحدها.
إنهما يدخلان في علاقة طويلة، تتراكم نتائجها جيلًا بعد جيل.
وربما لهذا فإن ما يبدو لنا اليوم تفوقًا هائلًا بين شعوب مختلفة، لم يبدأ يوم وصلت السفن إلى الشواطئ البعيدة.
لقد بدأ قبل ذلك بآلاف السنين.
قبل السيف كان هناك المحراث.
وقبل الفولاذ كانت هناك المعرفة.
وقبل الجراثيم كانت هناك الحيوانات والمدن.
ثم جاءت كل هذه الأشياء معًا، في لحظة من التاريخ، لتصنع عالمًا غير متكافئ.
وهذه هي الرحلة الفكرية التي طرحها جاريد دايموند في كتابه «أسلحة، جراثيم وفولاذ»: ليست بحثًا عن شعب أذكى من شعب، بقدر ما هي محاولة لفهم كيف صنعت الجغرافيا والبيئة والفرص المتراكمة فروقًا هائلة بين المجتمعات، وكيف تحولت تلك الفروق الصغيرة، عبر آلاف السنين، إلى عالم غير متكافئ كما نعرفه اليوم.
ماريا الخنيزي
