قد يبدو العنوان غريبًا أو صادمًا بالنسبة للبعض، ولكنه في الواقع عميقٌ جدًّا. هنا، لا نتحدّث عن الانتقاص من دور الرجل، بل عن استثناءٍ مبهر؛ عن تلك المرأة التي فرضت عليها الحياة، أو ربّما اختارت بإرادتها، أنْ تكون العكاز الذي يتكئ عليه والداها، والجدار الصلب الذي يحتمي خلفه أبناؤها، والبيت الذي يأوي إخوتها.
إنّ اختيار هذا العنوان لم يأتِ من باب البحث عن الإثارة أو الجدل، بل هو نتاجُ تأمّلٍ عميقٍ في واقعٍ نعيشه ونغفل عن تفاصيله.
فكلمة “الرُّتبة”، ارتبطت في أذهاننا دائمًا بالأوسمة والتكريم، واعتدنا في مجتمعاتنا أنْ نربطها بالمناصب العالية حسب مهامّها. بينما نغفل عن أسمى الرُّتب التي تُصنع في صمتٍ داخل بيوتنا، والتي لا تُمنح في المؤسسات والقطاعات التابعة للدولة، بل تُكتسب في ميادين الحياة.
وهي رُتبةٌ تُعنونها التضحية، وتنحتها القوة الصامتة لتلك الابنة التي آثرت البرّ بوالديها على حساب أحلامها وشبابها، وتلك الأمّ التي تخوض معارك الحياة اليومية لتبني مستقبل أبنائها بمفردها، والأخت الكبرى التي اتسعت عباءتها لتبسط الأمان لإخوتها.
امرأة برتبة “سند”
هي الابنة التي جعلت من سنوات عمرها وسائدَ لراحة والديها، والعكّاز الذي يتكئان عليه عندما بلغا الكِبر. تلبّي طلباتهما، وتداوي أوجاعهما، وتكون الشجرة المورقة التي تظلل عليهما في خريف العمر. هي الابنة البارة التي تمسح تجاعيد التعب عن وجهيْ والديها، وتبتسم وكأنّها لا تحمل في قلبها سوى الفرح، لتخفي خلف تلك الابتسامة تضحياتٍ لا يقوى عليها أشد الرجال.
امرأة برتبة “وطن”
هي تلك التي وجدت نفسها فجأةً في مواجهة الريح وحدها، فخلعت عباءة الدلال وارتدت درع المسؤولية. أصبحت هي الأمان، ولقمة العيش، والجدار الصلب الذي يحتمي خلفه أطفالها. تُدرك متى يجب أنْ تكون جدارًا صلبًا، ومتى تكون حُضنًا لينًا، لا تدعهم يشعرون باليتم أو الفقد، لأنها أصبحت لهم الأب والأم والوطن.
امرأة برتبة “جيش”
هي الأخت الداعمة التي تقف خلف نجاحات إخوتها، والشّراع الذي يدفعهم للأمام، والصدر الذي يتكئون عليه في لحظات الانكسار. تفرح لإنجازاتهم وكأنها إنجازاتها الشخصية، وتستهلك طاقتها وراحتها لتمهد لهم طريق المستقبل.
إنّ الغرض من هذا العنوان، هو أنْ نسلّط الضوء على تلك الرُّتب غير المعلنة، وأنْ نُعيد تعريف مفهوم القيادة والحماية، لنُدرك أنّ هناك معارك لا تُسمع فيها أصوات الرصاص، بل تدور في صمتٍ بين المرء وظروف الحياة سواءً أكان رجلًا أم امرأة.
وفي النهاية، كلّ امرأةٍ مكافحةٍ هي امرأةٌ برتبة حياة، هي ليست فقط “نصف المجتمع”، بل هي في أحيانٍ كثيرةٍ “المجتمع بأكمله”. لذلك، عندما نقول: “امرأة برتبة…”، فنحن لا نضع كلمةً واحدةً في هذا الفراغ، بل نتركه مفتوحًا ليضمّ كلّ معاني العطاء. فالمرأة ليست مجرّد تفصيلٍ في الحكاية، بل هي أحيانًا الحكاية كلها، وسقف البيت الذي يقي الجميع حرّ الأيّام وقسوتها.
