أنامل ملوّنة.. حين يرسم الفخار حكايةً من الحب والانتماء

الرياض – بتول الفهاد

في مبادرةٍ جمعت بين الفن والإنسانية أقامت تمكين الهمم مبادرات اجتماعية ورشة «أنامل ملوّنة – الرسم على الفخار»
وذلك في مركز مدينتي المعذر وفي لقاءٍ لم يكن الفن فيه غايةً وحسب بل وسيلةً لصناعة الفرح وتعزيز الاندماج وفتح مساحاتٍ أرحب للتواصل بين الأشخاص ذوي الهمم وأسرهم والمجتمع من حولهم.

جاءت الورشة في أجواءٍ مفعمة بالألوان والدفء حيث تحولت قطع الفخار البيضاء إلى لوحاتٍ نابضة بالحياة حملت كل واحدة منها لمسةً خاصة تعبّر عن صاحبها فيما كانت الأيدي تتشارك الرسم والقلوب تتشارك الفرح.

وتأتي هذه المبادرة امتدادًا للرسالة الإنسانية التي تحملها تمكين الهمم – مبادرات اجتماعية في دعم الأشخاص ذوي الهمم وتمكينهم من المشاركة في الأنشطة المجتمعية والإبداعية وإيجاد بيئاتٍ يشعرون فيها بالاحتواء والتقدير والانتماء.

إلا أن أجمل ما في هذا اللقاء لم يكن مرئيًا على قطع الفخار بل كان مشهدًا إنسانيًا عابرًا ترك أثره في نفوس الحاضرين.

فقد لفتني أحد الحضور من الأشخاص ذوي متلازمة داون حين رأى الأمهات من حوله فغلبته مشاعره وبكى متمنيًا لو أن أمه ما زالت حيّةً لتكون إلى جواره وتشاطره هذه اللحظة.

لحظاتٌ قليلة لكنها حملت الكثير

فما إن ظهرت مشاعر الفقد حتى التفّت حوله الأمهات في مشهدٍ عفوي اختصر معنى الاحتواء وقلن له بكل ما في الأمومة من حنان (كلنا أمك)

كانت العبارة بسيطة لكنها بدت في تلك اللحظة أكبر من الكلام وكأن مجموعةً من الأمهات قررن أن يمنحنه ولو للحظات شيئًا من الدفء الذي افتقده وأن يقلن له إن غياب أمٍ واحدة لا يعني غياب الأمومة من العالم.

ذلك المشهد كشف وجهًا آخر للمبادرة فالتكامل بين الأهالي لم يكن مجرد حضورٍ في فعالية بل كان ترابطًا إنسانيًا حقيقيًا ظهرت فيه مشاعر التعاطف والمؤازرة وتحولت فيه الأمهات إلى عائلةٍ واحدة تحتضن أبناءها بمختلف احتياجاتهم وظروفهم.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات فهي لا تقدم نشاطًا ترفيهيًا أو فنيًا فحسب وإنما تصنع مساحاتٍ للانتماء وتقرّب المسافات بين الأسر وتمنح الأشخاص ذوي الهمم فرصةً ليكونوا جزءًا فاعلًا من المشهد المجتمعي.

وفي مركز مدينتي المعذر لم تكن الألوان وحدها هي التي حضرت
حضرت الإنسانية بكل تفاصيلها وحضر الفرح وحضر الاحتواء ورُسمت على الفخار زهرةٌ هنا وورقةٌ هناك بينما كانت على القلوب لوحةٌ أخرى أكثر جمالًا لوحةٌ عنوانها المحبة والتكافل والإيمان بأن لكل إنسان مكانًا يستحق أن يُحتفى به فيه.

وفي نهاية اللقاء بقيت القطع الفخارية تحمل ألوان أصحابها لكن بقي في الذاكرة مشهدٌ أكثر رسوخًا أمّهاتٌ احتوين قلبًا اشتاق إلى أمه وقالت له الحياة في تلك اللحظة
لست وحدك… كلنا أمك.

وهكذا أثبتت (أنامل ملوّنة) أن بعض المبادرات لا تنتهي بانتهاء ساعاتها لأنها تترك أثرًا يتجاوز النشاط وتمنح الحضور ذكرى إنسانية لا تُمحى بسهولة وتؤكد أن أجمل ما يمكن أن نصنعه بأيدينا ليس قطعةً من الفخار فحسب بل أثرًا من المحبة يبقى في قلب إنسان

زر الذهاب إلى الأعلى