دينا الخالدي _ سكاكا
الإمام فيصل بن تركي آل سعود يأمر ببناء جامع الضلع، وتبقى هذه الحكاية واحدة من أهم ما تتناقله الذاكرة الشعبية في حي الضلع بمدينة سكاكا، إذ يروي كبار السن أن الإمام فيصل مرّ بالجوف خلال رحلته التاريخية سنة 1259هـ، وأنه وجد في أهل الحي مكانة ووجاهة واحترامًا جعله يوجّه ببناء جامع الضلع، ليكون شاهدًا على ارتباط المنطقة بالدولة السعودية الثانية، ورمزًا يفاخر به أهل الحي جيلاً بعد جيل. وتحفظ الرواية الشعبية تفاصيل هذه الزيارة بوصفها مصدر اعتزاز لأهالي الضلع، فهي ليست مجرد قصة تاريخية، بل جزء من الهوية التي حافظ عليها أهل الحي، ونقلوها بدقة عبر السنين. ويؤكد العمدة أ. فالح اللحيد أن الرواية الشعبية أمانة، وأن الصدق في نقلها واجب، لأنها تمثل ذاكرة المكان وروحه، وما بناه الآباء من قيم ووفاء.
ويشير أ. فالح اللحيد إلى أن قدوم عبدالله بن رشيد إلى حي الضلع وباب الخشب لم يكن حدثًا عابرًا، بل كان مبنيًا على معرفته السابقة بأن القيادة الإدارية في سكاكا تتبع للدولة السعودية الثانية، وأن أهل الحي كانوا أصحاب مكانة لدى القيادة في تلك الفترة. هذا الإدراك السياسي دفعه إلى اللجوء إلى باب الخشب، حيث استقبله أهل الحي وأكرموه، لتُخلّد الذاكرة الشعبية هذا الحدث، ويُطلق لاحقًا اسم حير الرشيد على البستان المعروف في الحي.
كما يوضح اللحيد الدور المهم للمسقوف، وهو المجلس الذي كان يجمع وجاهات الحي، ويُناقش فيه الناس شؤونهم، ويُتخذ فيه القرار. كان المسقوف بمثابة قاعة اجتماعات قديمة، يحتوي على الربعة وهي دكة مرتفعة من الطين تشبه الكنب، وعلى تشكيلات طينية يمينًا ويسارًا تشبه المركى تُستخدم للاتكاء، أما سقفه فمصنوع من الطين وشجر الأثل، في مشهد يعكس أسلوب البناء التقليدي في الجوف، ويُبرز قيمة المكان ودوره الاجتماعي.
وتتواصل ذاكرة حي الضلع في سرد أسماء الأمراء والشيوخ الذين تولّوا الإمارة والمشيخة عبر القرون، بوصفهم امتدادًا لدور القيادة المحلية التي ارتبطت بالدولة السعودية الثانية، وحفظت للحي مكانته وهيبته. فقد تولّى الإمارة أولًا مطيلق بن ضويحي وكانت إمارته شاملة البلد وجماعته القرشة من بني خالد، ثم خلفه ابنه لحيد بن مطيلق الذي بارك الإمام فيصل بن تركي إمارته ودخل ضمن نطاق الدولة السعودية الثانية، واستمرت الإمارة بعده مع سهيان بن لحيد على نفس النهج، ثم جاء شكر بن سهيان بن لحيد الذي عُرف بأن فترته كانت الأقوى والأطول والأمكن في تاريخ الحي. وبعده تولّى خليفة بن سهيان بن لحيد واشتهر بكرمه حتى لُقّب بأبو الظعوف. ثم جاءت فترة عساف بن شكر وأخيه قشاع وكانت فترة مميزة رغم قصرها بسبب ما وقع فيها من فتنة وخلافات بين أهالي سكاكا أدت إلى اغتيالهما، لتبدأ بعدها مرحلة التحول من الإمارة إلى المشيخة على جماعة الضويحي من القرشة، حيث تولّى كايد بن طعمة بن دندن بن لحيد أولى فترات المشيخة، ثم تبعه عبيكه بن شلاش بن سهيان بن لحيد شيخًا على الضويحي، ثم ندى بن شلاش بن سهيان بن لحيد، وبعده فالح بن غنيمان بن نمر بن دندن بن لحيد، ثم مشعل بن ندى السهيان اللحيد، ثم صالح بن مشعل السهيان اللحيد شيخ الضويحي، وأخيرًا حمود بن مشعل السهيان اللحيد ثم خليل بن حمود بن مشعل السهيان اللحيد الذين حملا مشيخة الضويحي في فتراتها المتأخرة. وتمثل هذه السلسلة المتعاقبة من الأمراء والشيوخ ذاكرة قيادة حي الضلع، وتوثّق انتقال السلطة من إمارة شاملة إلى مشيخة اجتماعية، وتُبرز الدور التاريخي لأسرته في حفظ الأمن وتنظيم شؤون الناس، وهو ما يجعل ذكرهم جزءًا أصيلًا من الرواية الشعبية التي يؤكد العمدة أ. فالح اللحيد أنها أمانة يجب نقلها بصدق ودقة.
ويختم أ. فالح اللحيد رسالته بأبيات شعرية يؤكد فيها أن الرواية الشعبية مسؤولية، وأن حفظها كما جاءت من الآباء هو حفظ للهوية، وأن من يصون تاريخ قومه إنما يصون نفسه ومكانه، لأن التاريخ لا يُكتب بالحبر فقط، بل يُحفظ بالصدق، ويُروى بالأمانة.

