يشكل مفهوم الناتو 3.0 الغرض الرئيسي لقمة الناتو المنعقدة الآن في تركيا، وهى قمة تاريخية استثنائية حاسمة بالطبع على إثر المفهوم الذي ينهض على تحويل عبء المشاركة والدفاع داخل الحلف من الولايات المتحدة إلى باقي الأعضاء بنسبة 70% أو أكثر تحت مسمى “إعادة الهيكلة“.
في قمة وزراء دفاع الناتو فبراير 2026 طرح وزير الدفاع الأمريكي المفهوم بحسبانه إعادة هيكلة تاريخية ضرورية للحلف في ظل الظروف الدولية الراهنة، مشيراً إلى حتمية تحمل الحلفاء عبء أو مسؤولية أكبر في الدفاع والنفقات، وعزم واشنطن على تخفيض حصتها المالية، وقواتها من أوروبا مع إعادة نشر جديدة.
في اليوم الأول لقمة تركيا أعلنت الدول الأوروبية وكندا رفع حجم الإنفاق في الحلف إلى نسبة تقترب من ال5%، وهى النسبة التي حددها الناتو العام الماضي كحد أدنى قابلة للزيادة، كما أعلنت عن برنامج ضخم للصناعات الدفاعية، مع توسيع الدعم العسكري لأوكرانيا. وقد بدي من ذلك استجابة قوية من الحلفاء على خطط إعادة الهيكلة مصحوبة بثقة عالية على تعويض غياب الدور الرئيسي لواشنطن.
قد يبدو أن خلف تراجع أهمية الحلف الحادة لواشنطن والذي أسفر خلال الأعوام الماضية التحول من تحمل العبء، إلى تقاسم المشاركة، وصولاً إلى تحويل العبء بصورة شبه تامة للحلفاء وفقا للمفهوم؛ عقيدة وتوجهات ترامب الشعبوية شبه الانعزالية، وإن كان ذلك جزئيا صحيح وأسهم في ترسيخ المفهوم، لكن الصورة الأوسع تتعلق بأهمية الحلف في إطار التوجهات الاستراتيجية الجديدة لواشنطن والتي أصبحت تنحصر في الباسيفيك بصورة جزئية، ونصف الكرة الغربي بصورة شبه تامة، مع ضغط اقتصادي رهيب تمر به الولايات المتحدة يقتضى التركيز في الأولويات فقط.
شكل الحلف منذ تأسيسه واحدا من أهم أدوات الولايات المتحدة لفرض هيمنتها الليبرالية، وإخضاع أوروبا–بإرادتها–، وتقويض الشيوعية، وحشد جميع الدول الديمقراطية الليبرالية تحت مظلة أمنية واحدة. وكل ذلك ضمن رؤية سياسية أمنية موحدة للحلفاء “ترسيخ النظام النيوليبرالى العالمي والقضاء على الشيوعية“. وبقدر ما مثل ذلك أقوى عامل لقوة وتماسك واستمرار الحلف، بقدر ما أضعف الحلفاء خاصة الأوروبيين بسبب الاعتماد التام على مظلة الناتو بقيادة واشنطن.
تتخلى واشنطن عن الحلف وتحمل الحلفاء خاصة الأوروبيين وهم أغلبية الأعضاء في ظل غياب رؤية أمنية مشتركة، أو بالأحرى “تهديد مشترك” يكون محفزاً قويا لاستمرار التعاون الأمني الوثيق داخل الحلف، بل للحلف ذاته. ويعد التهديد الأمني وفقا لأدب التحالفات المرتكز الرئيسي لتأسيس التحالفات الأمنية، وانهيارها أيضا في غيابه، إذ تتسم التحالفات الأمنية عادة بصفة عدم الاستدامة. هناك سوء تصور بان روسيا النووية بعد حرب أوكرانيا قد غدت التهديد الأمني المشترك للحلف والأوروبيين تحديدا، وواقع الأمر أنها تهديد لأوروبا لكن حجم هذا التهديد بين الدول الأوروبية متباين بشدة، فهي تهديد وجودى لدول أوروبا الشرقية، عدا المجر، بينما تعد تهديد متوسط لدولة مثل أسبانيا مقارنة بالهجرة غير الشرعية والإرهاب.
وعلى هذا الأساس، تتطلب إعادة هيكلة الناتو في المقام الأول، تحديد التهديد الخطير المشترك مع الرؤية الأمنية المشتركة أيضا بعيدة الأمد، وهو غير المتاح حالياً بصفة أساسية، إذ هناك عدة تحديات فضفاضة من بينها روسيا والإرهاب والأمن السيبرانى…وغيرها، في ظل تباين في الرؤى والتهديدات والأهداف الأمنية والسياسية للحلفاء، ناهيك عن غياب واشنطن التي كانت تحدد كل شىء التهديد المشترك وسبل التصدي والتطور وتحمل العبء تماما المادي والعسكري.
في يناير الماضي صرح الأمين العام للناتو أن أوروبا لا تستطيع الدفاع عن نفسها فبدون واشنطن، وفى القمة الحالية كرر أكثر من وزير دفاع أوروبي من بينهم وزير دفاع رومانيا نفس التصريح. وتلك التصريحات الصائبة تماما تؤكد بجلاء أن المفهوم قد ولد ميتاً، وان ما سيقوم به الحلفاء ليس مجرد إرضاءً لواشنطن، وتعويض دورها في الحلف مجرد “وهم كبير“.
لتعويض دور واشنطن، يستلزم على الحلفاء رفع الإنفاق الدفاعي لأكثر من 2% سنويا من حجم الناتج الوطني، وتعاون وثيق لتأسيس بنية دفاعية صناعية متطورة، وفرض التجنيد الإجباري، وتغير شامل في العقيدة الدفاعية والسياسية…وغيرها الكثير، الذي لا يحتاج فقط إلى مليارات الدولارات سنويا، بل إرادة صلبة، ووقت طويل يناهز العقدين على الأقل بالتوازي مع تهديد ورؤية أمنية مشتركة وتضامن عالى الصلابة.
الخلاصة، مفهوم الناتو 3.0 مقدمة جلية لانهيار الناتو، أو على الأقل إضعافه بصورة بالغة؛ فبدون واشنطن لا وجود لقيادة بديلة، ولا تهديد مشترك معزز، ولا إرادة صلبة للحلفاء على تحمل أعباء شديدة.
