حين انبلجَ فجرُ الأوّلِ من محرّم، ومع إشراقةِ عامٍ هجريٍّ جديد، كنتُ بين من حبسَتْهم الشاشةُ عن أنفاسهم. لم يكن مشهدًا عابرًا يُشاهَد ثم يُنسى، بل كان لحظةً تتعرّى فيها القلوبُ من ضجيج اليوم، فتعودُ صافيةً إلى أوّل المعنى. رأيتُ الثوبَ القديمَ يُرفَع برِفقٍ ووقار، والثوبَ الجديدَ يَنزلُ على جدران البيت العتيق كأنّه وعدٌ يتجدّد، فاضت في داخلي مشاعرُ لم أملك أمامها إلا أن أمسكَ القلم. ما الذي يجعل قطعةً من حريرٍ تُحرّك في الإنسان كلَّ هذا؟ لأنّها ليست قطعةَ قماش، بل لغةُ عنايةٍ ومكانةٍ وانتماء.
الثوبُ الذي تُروى به قصّةُ إتقان
ما يراه الناسُ لحظةً مهيبة، هو خلاصةُ شهورٍ من العملِ الصامت. تمرّ الكسوةُ بسبع مراحلَ دقيقة، من صباغةِ الحرير واختبارهِ معمليًّا، إلى النسجِ الآليّ، فالطباعةِ والتطريزِ والنسجِ اليدويّ، حتى التجميعِ والخياطة. وتستهلكُ في صناعتها نحو 825 كيلوغرامًا من الحرير الطبيعيّ الخالص، وقرابةَ 120 كيلوغرامًا من أسلاكِ الفضّةِ المطليّةِ بالذهب، تُخطُّ بها آياتُ الذِّكرِ الحكيم. ويعملُ على إخراجها فريقٌ سعوديٌّ يقاربُ المئتَين بين صانعٍ وإداريّ، في مجمّعٍ يضمُّ أطولَ ماكينةِ خياطةٍ في العالم. هذا الإتقانُ ليس ترفًا، بل هو لغةُ احترامٍ للمقام؛ فحين يكونُ المعمولُ له هو بيتَ الله، لا يَقبلُ القائمونَ عليه إلا أن يكونَ العملُ في أعلى ما تَبلغُه اليدُ والقلب.
شرفٌ خصّ اللهُ به هذه البلاد
ليست العنايةُ بالبيت الحرامِ منصبًا يُتولّى، بل أمانةٌ تُحمَل، ومكانةٌ يَختصُّ اللهُ بها من يشاء. ومنذ أن أمرَ الملكُ المؤسّسُ عبدالعزيزُ آل سعود بتوطينِ هذه الصناعةِ الشريفةِ في مكّةَ المكرّمة عام 1346 للهجرة، صارت كسوةُ الكعبةِ تُصنعُ بأيدٍ سعوديّةٍ خالصة، بعد أن كانت تأتي من بعيد.واليومَ تُصنعُ الكسوةُ في مجمّعٍ متخصّصٍ تابعٍ للرئاسةِ العامّةِ لشؤونِ المسجدِ الحرامِ والمسجدِ النبويّ، بعنايةٍ مباشرةٍ من الدولةِ وقيادتها، تُرصد لها كلَّ عامٍ نفقةٌ تتجاوزُ عشرين مليونَ ريال، صيانةً لهذا الشرف وحفظًا لمكانته. فهذه سلسلةُ عنايةٍ متّصلةٌ لا تنقطع، يتوارثُها قادةُ هذه البلادِ جيلًا بعد جيل، فتُكتبُ في صحيفةِ الوطنِ شرفًا لا يُشترى ولا يُمنَح، وإنّما يُصطفى له أهلُه.
فهنيئًا لآلِ سعود
هنيئًا لآلِ سعود هذا الشرفَ العظيم، وهذه المكانةَ التي خصّهم اللهُ بها في خدمةِ بيتهِ الحرامِ وضيوفِ الرحمن. وهنيئًا لهم أنّ التاريخَ يُسجّلُ على أيديهم عنايةً تتجدّدُ كلَّ عامٍ بحُلّةٍ جديدة، وأنّ المسلمين في مشارقِ الأرضِ ومغاربها يرفعون الدعاءَ والتكبيرَ وأنظارُهم متّجهةٌ إلى ما تصنعُه هذه البلاد. إنّها أمانةٌ ثقيلةٌ في ميزانِ الدنيا والآخرة، حملوها فأحسنوا حملَها.
وهنيئًا لشعبٍ بهذه القيادة
وهنيئًا للشعبِ السعوديّ أن يكونَ في كنفِ قيادةٍ جعلَت خدمةَ الحرمينِ تاجَ مجدها، وغايةَ ما تفخرُ به. فحين يرى المواطنُ ثوبَ الكعبةِ ينزلُ مكسوًّا بحريرِ بلادهِ وذهبِها وجهدِ أبنائها، يُدركُ أنّ الانتماءَ هنا ليس شعارًا، بل مشاركةٌ في شرفٍ تعرفُه السماءُ قبل الأرض. هذا الفخرُ الذي لا يُوصَف، أن تكونَ من أرضٍ احتضنَت أقدسَ بقعةٍ على وجه الأرض، وأن تكونَ قيادتُك أمينةً على عنايتها.
ختامًا
غادرَ الثوبُ القديمُ بعد أن أدّى أمانتَه عامًا كاملًا، وحلَّ الجديدُ يحملُ معه وعدًا جديدًا. ونحن، حين نشهدُ هذه اللحظة، لا نشهدُ تبديلَ ثوبٍ فحسب، بل نُجدّدُ في أنفسنا معنى الانتماءِ لأرضٍ شرّفها اللهُ، وقيادةٍ صانتْ هذا الشرف. فمِن مكّةَ المكرّمة، يبدأُ العامُ الهجريُّ الجديدُ بثوبٍ يليقُ بالبيتِ العتيق، وبقلوبٍ تمتلئُ يقينًا وفخرًا وامتنانًا.
