لم يكن الأذى عابراً بقلم / سعــداء الفريح

هناك أشياء لا نتحدث عنها كثيراً
ليس لأنها انتهت، بل لأن الكلمات أحيانًا تعجز أن تشرح شكل الألم حين يأتي من المكان الذي كان يفترض أن يكون آمنًا.

فهناك جروح لا يصنعها الغرباء… بل يصنعها الذين كان يُفترض أن يكونوا أول ملاذ، وأول طمأنينة، وأول معنى للأمان.

أن تكبر وأنت تخاف ممن يفترض أن تطمئن بقربهم…أن تحسب خطواتك وكلماتك.. أن تتعلم الصمت مبكرًا، وأن تراقب الكلمات ونبرة الصوت والملامح كي تتجنب الأذى.. أن تتعلم قراءة الوجوه قبل الحديث.. أن تعتاد الحذر قبل الطمأنينة وأن تفقد الثقة بكل شيء .. وأن تظن الخوف شكل من أشكال الحب والاحترام… هذه ليست ذكريات عابرة، وليست أموراً تمر بدون أثر..
هناك من كبروا بسرعة لأن الحياة لم تمنحهم رفاهية أن يكونوا أطفالًا.

وهناك من تعلّموا أن يكونوا أقوياء؛ لا لأن القوة خيارهم، بل لأنهم لم يجدوا من يحمل عنهم شيئًا..
ثم تمضي السنوات…
وتبدأ رحلة طويلة لا يراها أحد…رحلة إصلاح ما لم نكسره نحن.!
نعيد تعريف أنفسنا، نتصالح مع مخاوفنا، نتعلم كيف نحب أنفسنا، كيف نضع حدودًا، كيف نفرّق بين القرب الحقيقي وبين العلاقات التي تُبقيك دائمًا في حالة دفاع. تتعلم كيف تهدأ، وكيف تحمي قلبك، كيف تمنح نفسك ذلك الأمان الذي لم تجده يوماً في المكان الذي كان يجب أن يحتويك،.

نتعب ونحن نحاول أن نصبح أشخاصًا طبيعيين رغم أننا لم نعش ظروفًا طبيعية.

ثم حين نصل أخيرًا إلى مكان أكثر هدوءً داخل أرواحنا…
وحينما نصبح أقوى.. يريدون أن يعودون وكأن شيئاً لم يكن!

وحينما ترفض هذه العودة لتحافظ على هذه القوة وما بنيته خلال هذه السنوات،

يأتي السؤال الذي يُقال ببساطة شديدة:

«إلى الآن ما نسيت؟»
«يوووه لا تصير حقود»
«عدّيها… صار اللي صار.»
“مهما كان لحم ودم ”

فبعض الأشخاص يتذكرون أنهم كانوا قريبين منك، وينسون أنهم كانوا سببًا في ألمك وحزنك.!
يريدون منك أن تتجاوز، أن تعود كما كنت، أن تنسى دون أن يُذكر الألم، أو يُعترف به، أو يُعتذر عنه. وكأن مرور الوقت وحده كافٍ لمسح أثر ما حدث.،
وكأن الزمن وحدة اعتذار..
وكأن تجاوز الألم يعني أنه لم يكن موجوداً
وكأن النجاة تُلغي حقيقة السقوط.
لكن الحقيقة التي لا تُقال كثيراً… أن القوة لا تمحو الذاكرة.

والتعافي لا يعني أن الجرح لم يكن عميقًا.

والتسامح لا يعني أن تعود للأماكن التي كسرتك.

وفتح صفحة جديدة لا يعني إعادة الأشخاص إلى أماكنهم القديمة داخل القلب.

نحن لا نرفض النسيان عنادًا، ولا نتمسك بالماضي حبًا في الحزن.

لكن بعض الأشياء تغيّر الإنسان إلى الأبد.

هناك جزء منا ظل ينتظر كلمة اعتراف، أو لحظة فهم، أو حتى سؤالًا صادقًا يقول:
«هل كنت بخير فعلًا؟»

ليس لأننا نبحث عن اعتذار متأخر…
بل لأن الاعتراف بالألم يمنح الإنسان شعورًا أن ما عاشه كان حقيقيًا، وأنه لم يكن يبالغ طوال تلك السنوات،

ليس لأننا أكملنا الطريق يعني أننا لم نتأذَّ، وليس لأننا أصبحنا بخير يعني أن ما حدث كان طبيعيًا أو مقبولًا.

بعض الندوب لا تؤلم كل يوم… لكنها تذكّرك أن تحب نفسك أكثر، وأن تضع حدودك، وأن تفهم أن الأمان حق، وليس امتيازًا.

وليس مطلوبًا منك أن تشرح لأحد لماذا لم تعد كما كنت…
واليوم…
بعد كل ما مضى…
أنا لا أحمل غضبًا وحقداً كما يظن البعض.

لكنني أيضًا لا أستطيع أن أتصرف وكأن شيئًا لم يكن.

أنا فقط أصبحت أعرف نفسي أكثر.

أعرف أن الأمان حق.

أن الحدود ليست قسوة.

أن الابتعاد أحيانًا ليس عقابًا لأحد… بل رحمة بالنفس.،

ولست مضطرة أن أعود كما كنت؛ فقط لأن الآخرين اشتاقوا للنسخة التي كانت تتحمل كل شيء وتصمت،
لقد تعبت كثيرًا حتى أصل إلى هذا السلام
ولن أعتذر لأنني أخيرًا اخترت نفسي.

بقلمي/ سعــداء الفريح

زر الذهاب إلى الأعلى