في عام 2023م، كتبت لي الأقدار أن أحج لأول مرة. منذ اللحظات الأولى، بقي في ذاكرتي مشهد لا يُنسى: وفود الحجاج تأتي من كل حدب وصوب، ألسنة مختلفة، وجوه متعددة، أعمار متباينة، لكن اللون الأبيض كان يجمعهم، والفرح كان يسبق خطواتهم. كأن الأرض كلّها قررت أن تلبس ثوبًا واحدًا، وأن تنسى اختلافاتها، وأن تقول بصمت مهيب: نحن هنا لله وحده.
في الحج شعرت بمعنى المساواة كما لم أشعر به من قبل. لا أحد يسبق أحدًا بجاهه، ولا يعلو أحد على أحد بماله أو منصبه. الكل في لباس واحد، ونداء واحد، ووجهة واحدة. هناك، أدركت معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾؛ لم تكن الآية تُقرأ فقط، بل كانت تُرى في الطرقات، وفي الخيام، وفي الزحام، وفي عيون المتعبين الذين يبتسمون لبعضهم كأنهم يعرفون بعضهم منذ زمن.
أما الوقوف بعرفة، فهو لحظة لا تشبه أي لحظة. لا أظن أن الكلمات قادرة على وصفها كما يجب. هناك يقف الإنسان مجردًا من كل شيء إلا دعائه. يقف وفي قلبه أمنيات كثيرة، وذنوب يرجو أن تُمحى، وأحبة يتذكرهم، وأناس فارقوا الحياة لكنهم لم يفارقوا قلوب من أحبوهم. في عرفة تشعر أن السماء قريبة، وتُدرك وأنت تدعو أنك واقفٌ بين يدي الله وحده.
ومن أكثر ما شدّني في هذه الرحلة المباركة مشاهد المتطوعين. كنت أنظر إليهم بإعجاب، بل بشيء من الغبطة. شباب وفتيات ورجال ونساء يتركون راحتهم، ويقفون تحت الشمس وبين الحشود، لا يريدون تصفيقًا ولا شهرة، بل يبتغون مرضاة الله وخدمة ضيوفه. كنت أقول في نفسي: ما أعظم هذا الشعب حين يتسابق أفراده إلى الخير، وما أجمل أن ترى أبناء وطنك وهم يخدمون الحجاج بقلوب فرحة ووجوه باسمة.
وفي تلك الأيام أدركت كم يحتاج الحج من جهد خفي لا يراه الحاج. ملايين البشر يتحركون في أوقات محددة، وبين مشاعر محددة، وبمناسك دقيقة لا تحتمل ارتجالاً. رأيت بعيني كيف أن كل رجل أمن، وكل منظم، وكل عامل في الميدان، يحمل على كاهله جزءاً من أمانة لا تحتمل الخطأ؛ أمانة أرواح جاءت من أقاصي الأرض. وكان قطار المشاعر من أبلغ ما شهدته في هذا الجانب؛ لم يكن مجرد وسيلة نقل، بل كان اختصاراً للمشقة، وحفاظاً على الوقت والطاقة في أشد لحظات الحج ازدحاماً. وما زلتُ أترقّب في كل عام ما تُعدّه الجهات المسؤولة عن الحج من إبداعات وتقنيات حديثة، تسهّل على الحاج رحلته، وتنظم حركة الجموع، وتؤكد أن خدمة ضيوف الرحمن مسؤولية عظيمة تُدار بروح الإيمان، وكفاءة التخطيط، وشرف العناية.
لكن الإنصاف يقتضي أن أقول أيضًا: بقدر ما رأيت جمال النظام، رأيت أثر الفوضى حين يتسلل بعض المخالفين إلى المشهد. وهنا لا أتحدث من باب التشدد، بل من باب الغيرة على الحج والحجاج. فالحج عبادة عظيمة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. فكيف بمن يأتي ليطلب محو السيئات، ثم يبدأ رحلته بمخالفة الأنظمة وتعطيل المسارات، والتضييق على من جاؤوا من أقاصي الأرض يحلمون بلحظة طمأنينة في بيت الله؟
إن من يدخل بلا تصريح، أو يخالف تعليمات التفويج، أو يفترش الطرقات، لا يؤذي نفسه فقط، بل يؤذي منظومة كاملة. قد يظن أنه تصرّف فردي بسيط، لكنه في الحقيقة يربك خطط النقل، ويعطل القوافل، وقد يضيق الطريق على مريض أو كبير في السن أنهكته المشقة. وقد رأيت أثر ذلك بنفسي في مزدلفة، حين تسبب الافتراش والمخالفة في إرباك حركة التفويج وتأخير القافلة. عندها فهمت أن النظام في الحج ليس رفاهية — بل هو الرحمة بعينها.
ولذلك أقولها من تجربة حاج عاش الموقف ورآه بعينه: إن حلاوة الحج لا تكتمل بالمناسك وحدها، بل تكتمل بالرحمة بين الحجاج، وبالوعي الذي يجعل من كل ملتزم شريكاً في حفظ هذه الشعيرة العظيمة. فمن أراد حجاً يليق بقدسية المكان وعظمة الزمان، فليذهب بقلبٍ سليم، وروحٍ رحيمة لا تضيق بالناس ولا تؤذي من حولها.
