الأصل الذي لا يظهر في الميزانية بقلم : أ. ولاء الحكمي

في علم إدارة المنظمات، هناك فرق جوهري بين الأصول الملموسة — الاستوديو، المحتوى، العقود، حقوق البث — والأصول غير الملموسة — الثقة، الهوية، رأس المال الاجتماعي للمؤسس. الأولى تُنقل بعقد. الثانية لا تُنقل بأي شيء.

حين رفعت SRMG حصتها في ثمانية إلى 75% مقابل 200 مليون ريال، اشترت النوع الأول بالكامل. والسؤال الذي لم يظهر في أي بيان رسمي: ماذا اشترت من النوع الثاني؟

وليست كل شركة تشبه الأخرى
اذكر نموذجاً يوضح هذه المعادلة.
هنقرستيشن — التي بقيت متصدرة السوق حتى بعد رحيل مؤسسها — تكشف حقيقة تحليلية مهمة: قيمتها كانت مبنية على نموذج تشغيلي قابل للنقل — لوجستيات، شبكة موردين، تقنية موسّعة. الجمهور يستخدمها لأنها تحل مشكلة، وليس لأنه يثق بشخص بعينه. وهذا النوع من الأصول ينتقل مع الشركة ويعمل باستقلالية تامة عمّن بناه.
وثمانية نموذج مختلف هيكلياً. قيمتها مبنية على رأس مال اجتماعي — صوت، ثقة، علاقة تراكمية بين شخص وجمهوره. هذا النوع من الأصول لا يظهر في أي بند من بنود عقد الاستحواذ، ولا ينتقل بالتوقيع عليه.
وهنا يكمن السؤال المؤسسي الحقيقي الذي ستجيب عنه ثمانية في السنوات القادمة: هل تستطيع أن تبني نموذجاً تشغيلياً يحمل قيمتها بمعزل عن المؤسس؟ أم أن قيمتها كانت دائماً في الشخص لا في الشركة؟ الإجابة لا يملكها أحد الآن — لكن السؤال نفسه كان ينبغي أن يكون في صلب أي صفقة استحواذ على شركة إبداعية قبل التوقيع.

السؤال الذي لم يطرحه أحد

كل النقاشات التي أعقبت الخبر دارت حول شخصين، وخلاف، وحصص ملكية. وهذا مفهوم — الجمهور يقرأ الأحداث من خلال الشخصيات. لكن المحلل يقرأها من خلال البنية.

والبنية هنا تقول شيئاً مختلفاً تماماً: ما جرى لم يبدأ في مايو 2026، ولا في اليوم الذي تصاعدت فيه الخلافات. بدأ في عام 2021، في اللحظة التي وقّع فيها أبو مالح على صفقة منحت SRMG 51% من ثمانية.

في تلك اللحظة، كانت المعادلة قد رُسمت بوضوح تام: موارد ومدى أوسع، في مقابل استقلالية تحريرية ستتآكل تدريجياً بمنطق الملكية. والمؤسسون حين يوقّعون هذه الصفقات يؤمنون — بصدق — أنهم سيحافظون على الروح داخل الجسد المؤسسي الجديد. لكن غرينر كان قد أجاب على هذا الرهان قبل أن يُطرح بخمسين سنة.
في عام 1972، كتب لاري غرينر ما لم يفهمه كثيرون حتى اليوم: النجاح لا يحمي المؤسسة من الأزمة — هو من يصنعها.

ليس لأن أحدا أخطأ. بل لأن كل طور من أطوار النمو يحمل في داخله بذرة التوتر الذي سيفتح الطور التالي. والمؤسسة التي لا تفهم هذا تقرأ أزماتها الطبيعية، وتحوّل انتقالاتها الحتمية إلى مآسي.

الخطأ الذي لا يراه المؤسسون في أنفسهم

المؤسس الناجح يعاني من نعمة مُلتبسة: هو الدليل الحي على أن رؤيته كانت صحيحة. وهذا بالضبط ما يجعله أحياناً آخر من يرى أن المرحلة تجاوزته.

ثمانية في طورها الأول كانت معادلة بسيطة وعبقرية في آن واحد: صوت واحد، ثقة مبنية بالتراكم، وجمهور يشعر أنه يستمع إلى شخص يفكر بصوت عالٍ لا إلى منصة تبيع له محتوى. هذه المعادلة لا تُدار — تُعاش. ولا يمكن تحويلها إلى هيكل تنظيمي دون أن تفقد جوهرها.

حين دخلت SRMG، لم تشترِ شركة. اشترت ثقة جمهور بنيت على شخص بعينه. والمشكلة أن هذا النوع من الأصول لا يظهر في الميزانية، ولا يمكن نقله بقرار مجلس إدارة.

الخلط الذي يصنعه الجمهور — وهو مفهوم تماماً

حين يسمع الجمهور “استقال أبو مالح”، يقرأها: “انتهت ثمانية”. والجمهور ليس مخطئاً في مشاعره — هو مخطئ في تشخيصه.

ما يشعر به هو فقدان حقيقي: فقدان صوت بعينه، ونبرة سألوا من خلالها أسئلة لم يجرؤوا على طرحها بأنفسهم. هذا الحزن مشروع تماما. لكن تحويله إلى نعي مؤسسي هو قراءة خاطئة لطبيعة المؤسسات.

المؤسسات الإبداعية التي تتعلق هويتها بشخص واحد تواجه دائماً هذه اللحظة الحرجة: إما أن تتحول إلى مؤسسة بمعنى الكلمة، أو تظل مشروعاً شخصياً محدود المدى. ثمانية اختارت الأول حين قبلت الاستحواذ عام 2021. وكل ما جرى بعد ذلك كان تفاصيل تنفيذ هذا الاختيار.

ما لا يقوله أحد عن الاستحواذ

الاستحواذ لم يبدأ في مايو 2026 حين رفعت SRMG حصتها إلى 75%. بدأ عام 2021 حين قبل أبو مالح أن تمتلك المجموعة 51% من ثمانية. في تلك اللحظة، كانت المعادلة قد رُسمت: المال والتوسع في مقابل الاستقلالية التحريرية. المؤسسون يوقّعون هذه الصفقة وهم يؤمنون أنهم سيتمكنون من حماية الروح داخل الجسد المؤسسي الجديد. أحياناً يصلح ذلك. وأحياناً تكبر الشجرة أكثر من غارسها.

ما يستحق التأمل هنا ليس “من المخطئ”، بل السؤال الأعمق: هل يمكن لمؤسسة إبداعية أن تحافظ على هويتها حين تدخل في ملكية مؤسسة إعلامية كبرى تعمل بمنطق السوق؟ هذا سؤال ليس له إجابة جاهزة ، وإجابته تُكتب الآن في سلوك ثمانية خلال السنوات القادمة.

الرجل الذي بنى ولم يتشبث

ما يميز أبو مالح في هذا المشهد ليس أنه رحل — بل كيف رحل. أن تختار الرحيل على تشويه رؤيتك هو قرار يحتاج وضوحاً نادراً. كثيرون يبقون ويتكيّفون ويبرّرون حتى لا يعودوا يتعرّفون على أنفسهم في المرآة. وهذا النوع من البقاء أكثر تكلفة من أي استقالة.

ثمانية ستستمر، وربما ستنجح على مستويات لم تبلغها من قبل. وأبو مالح سيبني شيئاً آخر، أو ربما يكتفي بما بنى ونتمنى له بشخصيته الابداعيه مزيد من العطاء والنمو. في الحالتين، اللوحة اكتملت.

خاتمة: الهوية لا تُستحوَذ عليها، لكنها قد تتحوّل

السؤال الحقيقي الذي ستجيب عنه ثمانية في الفترة القادمة ليس “هل ستنجح؟” — بل: هل ستظل تصنع محتوى يشبهنا؟

هذا السؤال لا يملكه لا أبو مالح، ولا SRMG، ولا حتى الجمهور الذي حزن الأسبوع الماضي. تملكه فقط القرارات التحريرية الصغيرة، اليومية، التي ستُتخذ بعيداً عن الضوء.

المؤسسات لا تفقد روحها في لحظة واحدة. تفقدها قراراً قراراً، حتى تستيقظ يوماً وتجدها قد رحلت دون وداع.

أ. ولاء الحكمي، PMP® – مستشارة في التطوير التنظيمي وإدارة التحول

زر الذهاب إلى الأعلى