حين قال وزير التعليم: «أبشري» مقال بقلم الكاتبة / هدى المطيري

في مساءٍ عادي داخل أحد المقاهي بمدينة جدة، كنت أظن أن أقصى ما سأحمله معي هو كوب قهوة وبعض الهدوء بعد يوم طويل، لكن الحياة أحيانًا تخبئ لنا لحظات لا تشبه أي لحظة أخرى؛ لحظات تأتي بلا موعد، لكنها تترك في الذاكرة أثرًا لا يغيب.

بعد أن طلبت قهوتي، التفتُّ بعفوية، فإذا بي أرى معالي وزير التعليم الأستاذ يوسف البنيان يجلس بهدوء مع عدد من مرافقيه. للحظة ظننت أنني أخطأت النظر، ثم أعدت التأمل لأتأكد… نعم، كان هو بالفعل.

في تلك اللحظة، تسارعت الأفكار داخلي. ماذا يمكن أن تقول معلمة أمضت 22 عامًا في الميدان التعليمي حين تجد نفسها فجأة أمام الوزير المسؤول عن ملف التعليم؟ وكيف يمكن لكل تلك السنوات، بما حملته من عطاء وتجربة وصبر وتحديات، أن تُختصر في دقائق قليلة؟

لم يكن معي خطاب رسمي، ولا ملف مرتب، ولا موعد مسبق. كل ما كان أمامي ورقة فاتورة صغيرة، أمسكت بها سريعًا وكأنني أخشى أن تضيع مني اللحظة، وكتبت عليها:

“السلام عليكم ورحمة الله،
سعادة وزير التعليم الأستاذ يوسف البنيان،
أنا معلمة بخبرة تمتد لـ22 عامًا في الميدان التعليمي، ولدي مشكلة أتمنى أن تجد منكم الاهتمام والحل”.

كانت الكلمات مختصرة، لكنها بالنسبة لي لم تكن مجرد حروف على قصاصة ورق، بل كانت خلاصة سنوات طويلة من العمل والعطاء والصبر والانتظار؛ سنوات عشتها في التعليم مؤمنة برسالة المعلم، وبأن أثره لا يُقاس بعدد الحصص ولا بسنوات الخدمة فقط، بل بما يتركه في الإنسان والوطن.

انتظرت حتى انتهى معاليه من جلسته وهمَّ بالمغادرة، ثم تقدمت نحوه بهدوء، وسلمت عليه، وقلت:

“يا معالي الوزير، أنا معلمة بخبرة تمتد لـ22 عامًا في الميدان التعليمي، ولدي مشكلة أتمنى أن تجد منكم الاهتمام والحل”.

ما حدث بعد ذلك كان بسيطًا في ظاهره، عميقًا في أثره. لم أشعر بحاجز بين مسؤول ومواطنة، ولم ألمس برود المنصب أو استعجال اللحظة. توقف معاليه ليستمع، وأخذ الورقة بنفسه، ثم ابتسم وقال كلمة قصيرة، لكنها بقيت في داخلي طويلًا:

“أبشري”.

يومها شعرت أن جدة لم تنر فقط بأضواء مساءها المعتادة، بل نورت بقدومه، وبذلك القدر من الإنسانية والتواضع الذي يترك أثره في النفوس قبل الأماكن.

قد تبدو هذه الكلمة عابرة في نظر البعض، لكنها بالنسبة لي كانت أكبر من مجرد رد. أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى حلول فورية بقدر حاجته إلى أن يشعر بأن صوته وصل، وأن تعبه لم يكن غير مرئي، وأن هناك من يستمع إليه بعين التقدير والإنسانية.

وما أثار اهتمامي لم يكن اللقاء بحد ذاته، بل الصورة التي رأيتها أمامي؛ مسؤول دولة يجلس ببساطة بين الناس، ثم يقف ليستمع لمعلمة تحمل في داخلها حكاية عمر كامل مع التعليم. كانت لحظة إنسانية صافية لا تحتاج إلى كثير من الشرح، لأنها تحدثت عن نفسها.

وهذا ما تعودناه في هذا الوطن؛ أن تكون القيادة قريبة من الإنسان، وأن يبقى المواطن حاضرًا في قلب القرار والاهتمام. وهي الصورة التي رسخها سيدي سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو محمد بن سلمان، في نهج يقوم على القرب من المواطن، والاستماع إليه، والتعامل معه بإنسانية واحترام.

خرجت من ذلك المقهى وأنا أحمل شعورًا مختلفًا. لم أكن أفكر في تلك اللحظة: هل ستُحل المشكلة غدًا أم بعد حين؟ لأن قيمة الموقف بالنسبة لي تجاوزت فكرة الحل السريع. كان يكفيني أن قصاصة الورقة الصغيرة خرجت من بين يدي وهي تحمل خلاصة 22 عامًا من الخبرة والتجربة والعطاء، ووصلت إلى يد وزير التعليم مباشرة.

وبعد أن عدت إلى منزلي، ظل الموقف حاضرًا في ذهني بكل تفاصيله. لم يكن مجرد لقاء عابر انتهى عند باب المقهى، بل كان شعورًا رافقني حتى بعد أن هدأ المكان وانتهى اليوم. جلست أستعيد المشهد مرة بعد مرة؛ ورقة الفاتورة، لحظة التردد، السلام، ابتسامة معالي الوزير، وكلمة “أبشري” التي بقي صداها داخلي.

وفي المساء، حين تابعت مشاهد مجلس الوزراء، ورأيت معالي وزير التعليم حاضرًا في موقعه الرسمي بين رجال الدولة، عاد إليّ الموقف بصورة أعمق. أدركت حينها أنني قبل ساعات قليلة كنت أقف أمام رجل يحمل مسؤولية وطنية كبيرة، ومع ذلك منحني من وقته وإنسانيته لحظة استماع لا تُنسى.

كان ذلك المشهد كفيلًا بأن يجعلني أفهم أن عظمة المسؤول لا تكون فقط في حضوره داخل المجالس الرسمية، بل في قدرته على أن يبقى قريبًا من الناس خارجها؛ يسمع، وينصت، ويترك أثرًا إنسانيًا لا تمحوه التفاصيل.

وربما لم أصل بعد إلى نتيجة نهائية، ولم تُحل المشكلة حتى هذه اللحظة، لكن ما حدث منحني شعورًا مهمًا بأن صوت المعلم يصل، وأن أبواب المسؤولين ليست مغلقة كما يعتقد البعض. أحيانًا تكون بداية الحل في لحظة استماع صادقة، وفي كلمة تختصر الكثير من التقدير والاحتواء… “أبشري”.

ولم ألتقط صورة تذكارية مع معالي وزير التعليم في ذلك اليوم، لأن داخلي كان يؤمن بأن الصورة الأجمل لم تأتِ بعد. لدي يقين أن يومًا سيأتي ألتقط فيه صورة في حدث يليق بالمعلمة السعودية، ويحتفي بعطائها وخبرتها وسنواتها الطويلة في خدمة التعليم.

أؤمن أن المعلم لا يبحث عن صورة بقدر ما يبحث عن أثر، ولا ينتظر التصفيق بقدر ما ينتظر تقديرًا يشعره بأن سنوات عمره لم تمضِ عبثًا. فالمعلم، مهما طال به الطريق، يظل يحمل في داخله إيمانًا بأن رسالته أكبر من المهنة، وأن عطاءه جزء من بناء وطن لا يتوقف عن الحلم والنمو.

لهذا، لم أغادر ذلك المقهى وأنا أحمل كوب قهوتي فقط، بل غادرته وأنا أحمل شعورًا عميقًا بأن الإنسانية هي أجمل ما يمكن أن يتركه المسؤول في قلوب الناس، وأن الكلمة الطيبة والإنصات الصادق قد يصنعان أثرًا يبقى في الذاكرة أكثر من أي منصب أو صورة عابرة.

فبعض الصور تُلتقط بالكاميرا، وبعضها تُحفظ في القلب… وموقفي مع معالي وزير التعليم كان من تلك الصور التي لا تحتاج إلى عدسة لكي تبقى.

زر الذهاب إلى الأعلى