دينا الخالدي _ سكاكا
منذ تأسيس الدولة السعودية الحديثة، وضع الملك عبدالعزيز – رحمه الله – رؤية واضحة تقوم على حفظ الموروث الوطني وصون الوثائق والآثار بوصفها أساس الهوية وركيزة بناء المستقبل. لم تكن هذه الرؤية مجرد اهتمام بالماضي، بل مشروع دولة يؤمن بأن الأمم التي تعرف جذورها، تمتلك القدرة على صناعة غدها بثبات.
وانطلاقاً من هذا النهج، جاء إنشاء قسم الآثار في جامعة الملك سعود كأحد أهم المؤسسات العلمية التي تجسّد رؤية الملك المؤسس في تحويل الاهتمام بالتراث من جهود فردية إلى علم منهجي يقوم على البحث والتحليل والتوثيق. هذا القسم أسهم في تخريج كوادر وطنية متخصصة حملت مسؤولية قراءة تاريخ المملكة وحماية آثارها.
ومن بين أبرز هذه المخرجات يبرز اسم الأستاذ حسين الخليفة، الذي بدأت حكايته مع الآثار قبل أن يعرف العلم طريقه إليه. فقد نشأ في الجوف وهو يسمع الأسطورة المتداولة بين الناس بأن أعمدة الرجاجيل ما هي إلا رجال عصَوا الله فسُخطوا، فظلّت الأعمدة واقفة كعقوبة أبدية. هذه الحكاية الشعبية صنعت رهبة في نفوس الأطفال، وكان حسين واحداً منهم؛ يهاب الاقتراب من الموقع ويظن أن وراءه قوة غامضة لا تُفسَّر.
لكن تلك الصورة تبدّلت حين انتقل إلى الرياض ليلتحق بجامعة الملك سعود ويتخصص في قسم الآثار – تخصص الآثار القديمة. هناك اكتشف أن ما ظنه أسطورة ليس إلا موقعاً تاريخياً يعود لآلاف السنين، وأن الأعمدة ليست رجالاً مسخهم الله، بل شواهد حضارية تركتها جماعات بشرية قديمة. ومن هنا بدأ التحول… من الخوف إلى الفهم، ومن الأسطورة إلى الحقيقة، ومن الحكاية الشعبية إلى المعرفة العلمية.
ومع كل معلومة جديدة، كان شغفه يكبر. تعلّم كيف يقرأ الأرض، وكيف يفك رموز المكان، وكيف ينظر إلى الحجر بوصفه وثيقة، وإلى الموقع الأثري بوصفه فصلًا من كتاب الوطن. كان يتلذذ بالغوص في هذا العالم، ويستمتع بكل لحظة يقضيها بين المواقع واللقى والوثائق.
بعد تخرّجه، عاد إلى الجوف ليبدأ مساره المهني، حيث تم تعيينه في متحف الجوف بدومة الجندل بجوار قلعة مارد ، ذلك الموقع الذي يجمع بين التاريخ والهيبة والرمزية. ومن هناك تنقّل بين عدد من المهام والوظائف، وتولى رئاسة لجان في مهرجانات وطنية كبرى مثل الجنادرية ومهرجان الزيتون وغيرها، مقدماً خبرته في قراءة التراث وإدارته وتقديمه للجمهور.
إن سيرة الأستاذ حسين الخليفة ليست مجرد رحلة تعليم ووظيفة، بل قصة تحول عميق… من طفل يخشى الأسطورة، إلى باحث يقرأ الحقيقة، إلى رجلٍ أصبح أحد أهم أبناء الجوف في حفظ تراثها وتوثيق هويتها. وهو بذلك يجسّد، بكل وضوح، ما أراده الملك عبدالعزيز: أن يتحول الاهتمام بالموروث من روايات متوارثة إلى علمٍ يبني الوعي ويحفظ الوطن.












