حائل – الحفير
نايف السمحان
تواصل مدينة الحفير ( 70 كيلو شمال غرب حائل ) أحد تقاليدها الرمضانية العريقة التي توارثها الأهالي جيلاً بعد جيل، والمعروفة باسم “القراية”، وهي حلقة قرآنية تُقام كل ليلة من 1 رمضان إلى العشرين منه خلال شهر رمضان المبارك، يجتمع فيها الأهالي لتلاوة كتاب الله في أجواء إيمانية مميزة.
ويحرص المشاركون في هذه الحلقة على قراءة جزء ونصف من القرآن الكريم كل ليلة، ليتم بذلك ختم القرآن ليلة العشرين من شهر رمضان، في عادة استمرت لأكثر من مائة عام، محافظين عليها كما سار عليها الآباء والأجداد منذ نشأتها الأولى.
وتُعد “القراية” من أبرز المظاهر الروحانية والاجتماعية في الحفير، حيث تجمع الأهالي على تلاوة القرآن وتعزيز أواصر الألفة والتلاحم بينهم، في مشهد يعكس عمق الارتباط بكتاب الله، وحرص المجتمع على استمرار هذا الإرث الديني المبارك.
ويؤكد الأهالي أن هذه الحلقة القرآنية تمثل تقليداً راسخاً في حياتهم الرمضانية، إذ واصل الأبناء السير على نهج آبائهم وأجدادهم في المحافظة عليها وإحيائها كل عام، سائلين الله أن يجزي من أسسها خير الجزاء، وأن يبارك في كل من سار على هذا الطريق وأحيا هذا العمل المبارك.
وقد شهدت مدينة الحفير مساء اليوم ليلة العشرين من شهر رمضان المبارك ختام “القراية” الرمضانية لهذا العام، والتي أقيمت في منزل الشيخ عارف درزي العردان، بحضور عدد من أهالي المدينة والمهتمين بهذه العادة الرمضانية العريقة.
وخلال المناسبة، أوضح الباحث التاريخي من أبناء مدينة الحفير الأستاذ محمد فالح الضبعان أن بداية هذه القراية تعود إلى نحو عام 1343هـ تقريبًا، حيث أسسها الشيخ ناصر الدرسوني – رحمه الله – وفق ما تناقله كبار السن من أهالي المنطقة. وأضاف أن القراية تقوم على قراءة جزءٍ ونصف من القرآن الكريم كل ليلة بعد صلاة التراويح، يشارك فيها من يجيدون التلاوة، وذلك ليتمكنوا من ختم القرآن الكريم في ليلة العشرين من رمضان، والتي تُعرف اصطلاحًا لدى الأهالي بـ”ليلة الختمة”.
وأشار الضبعان إلى أن من آداب هذه القراية التزام الحضور بالصمت والإنصات للقراء، لما في ذلك من تعظيمٍ لكتاب الله وإجلالٍ لمجلس التلاوة، مبينًا أن ليلة الختمة تُعد ليلة استثنائية يحرص الأهالي على حضورها لما تحمله من أجواء إيمانية وفرصة لكسب الأجر.
وتسهم قراءة القرآن الكريم جماعة في تعزيز الجوانب التربوية لدى النشء، إذ ينشأ الصغير على تلاوة القرآن والارتباط به منذ سن مبكرة، مما يغرس في نفسه القيم الإسلامية ويعزز حب كتاب الله والالتزام بتلاوته
وبيّن أن هذه القراية استمرت لأكثر من 104 أعوام متواصلة، ولم تتوقف طوال تلك المدة إلا مرة واحدة فقط، وذلك خلال فترة الحظر أثناء جائحة كورونا.
وأضاف الضبعان أن قصة حضور الشيخ ناصر الدرسوني إلى الحفير تعود إلى عام 1342هـ أو 1343هـ، حين كان أهالي الحفير بحاجة إلى شيخ علم يعلّمهم أمور دينهم ويفتي لهم، كما كانت عادة القرى والبوادي في تلك الفترة. وجاء قدوم الشيخ الدرسوني بطلب من أهالي الحفير إلى الأمير عبدالعزيز بن مساعد، أمير منطقة حائل آنذاك.
واستقر الشيخ ناصر الدرسوني رحمه الله في الحفير قرابة خمسين عامًا، كان خلالها معلمًا ومربيًا وواعظًا ومفتيًا وقاضيًا، وأسهم في نشر العلم وتعليم القرآن والعلوم الشرعية بين أهالي المدينة، لتبقى “القراية” التي أسسها تقليدًا رمضانيًا متوارثًا تتناقله الأجيال حتى اليوم.






