سكاكا – دينا الخالدي
تزامناً مع اقتراب الاحتفاء بيوم التأسيس، الذي يمثّل الجذور الراسخة للدولة السعودية الثالثة، يبرز الحديث عن الحراك الثقافي في منطقة الجوف بوصفه امتدادًا طبيعيًا لمسيرة التأسيس التي أرست الأمن والاستقرار في ربوع المملكة. وكما يؤكد ابن خلدون أن العمران لا يزدهر إلا حين يستقر المجتمع وتترسخ دعائمه، شهدت الجوف بعد توحيد المملكة نهضة معرفية وثقافية أسهمت في تشكيل وعي جديد، وفتحت المجال أمام التعليم والتنمية ليكونا جزءًا من حركة البناء الوطني.
وفي قلب هذا التحوّل برزت شخصيات صنعت أثرها في بناء الإنسان قبل بناء المؤسسات، ومن أبرزها الشيخ حمود بن مشعل السهيان، أحد أعمدة التعليم والمجتمع، والرجل الذي لم يكتفِ بصناعة الأجيال، بل أسهم في وضع موقع زعبل على خارطة آثار الجوف، ليصبح جزءًا من الهوية التاريخية للمنطقة.
في لقاء حصري للصحيفة الشيخ خليل حمود بن مشعل السهيان يروي تفاصيل عن سيرة والدة الشيخ حمود بن مشعل السهيان .
من الصف الخامس… إلى صناعة أجيال
بدأت رحلة الشيخ حمود المشعل المهنية عام 1375هـ حين عُيّن معلمًا في أول مدرسة ابتدائية بمدينة سكاكا، مدرسة اللقائط (الشهداء حاليًا)، بعد تخرّجه من الصف الخامس الابتدائي. ومنذ تلك اللحظة، انطلقت مسيرة طويلة من التطوير الذاتي والمهني، حصل خلالها على شهادتي المتوسطة والثانوية بنظام الانتساب، ثم عمل في معهد الإدارة بالرياض، وتولى رئاسة قسم التحريرات بجامعة الملك سعود.
عاد بعدها إلى الجوف مفتشًا إداريًا، ثم نائبًا لمدير التعليم، قبل أن يبتعث إلى الولايات المتحدة ويحصل على البكالوريوس والماجستير. وفي عام 1400هـ، صدر قرار تعيينه أول عميد مؤسس لكلية المعلمين بالجوف، ليقود مرحلة تأسيسية شكلت نواة جامعة الجوف اليوم.
موقف وطني… وتطوّع في حرب الخليج
لم يكن الشيخ حمود بعيدًا عن واجبه الوطني، إذ تطوّع خلال حرب الخليج، وشارك بجهده ووقته، في موقف يعكس وفاءه لوطنه واستعداده لخدمته في كل الظروف.
ولم تهدأ روح الجهاد بالنفس والقلم دفاعاً عن دينه ووطنه حيث شارك بمقالات لدى صحيفة الشرق الأوسط كتحليل سياسي للمشهد.
حسب افادة الشيخ خليل (كنت أرسل مقالات الوالد عبر الفاكس لصحيفة الشرق الأوسط).
زعبل… أثرٌ لا يُنسى.
من بين محطات سيرته، يبرز دوره في تسجيل موقع زعبل على خارطة آثار الجوف حين كانت تتبع لوزارة المعارف.
هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراء إداري، بل كانت إحياءً لذاكرة المكان، وربطًا بين تاريخ الجوف العميق ونهضتها الحديثة، وإسهامًا في إبراز هويتها الثقافية أمام الزوار والباحثين.
شهادات ترويها القلوب قبل الأقلام
الأديب عبدالرحمن الدرعان
يصفه بأنه كبير جماعته الضويحي، وواحد من أوائل رجال التعليم في الجوف، وأن باب مكتبه لم يُغلق يومًا في وجه طالب أو زائر.
الدكتور هزاع الفويهي
اختصر فلسفته بعبارة أصبحت عنوانًا لمسيرته:
“الشيخ الأستاذ حمود المشعل يصنع الإنسان قبل أن يصنع النظام.”
الأستاذ عبدالله مصلح المريح
يقول:
“سبحان من سخّر لنا هذا العصامي… صباحًا في الكلية، وعصرًا في ديوانيته.”
محمد بن هلال السياط
يصفه بأنه رجل اجتمعت فيه مكارم الأخلاق والشهامة والكرم.
الأستاذ عبد الرحمن المفرج
يؤكد أنه كان صاحب الفضل في وضع زعبل على خارطة آثار الجوف.
صوت الشعر… نجم السمرين يكتب في الشيخ حمود المشعل .
كتب الشاعر نجم السمرين أبياتًا في الشيخ خليل بن حمود المشعل ووالده الشيخ حمود، جاء فيها:
زان الخيال وزان جو الكتابه
والقاف زان وبدع الابيات لي زان
بالنادر اللي ما يوفي جنابه
نظم القصايد لو كتب فيه ديوان
أبو حمود وحي قافٍ لفى به
الشيخ ابن مشعل خليل السهيان
ما صك في وجه المسايير بابه
بالنايبه ما بين حضرٍ وبدوان
شيخٍ جمع فوق التواضع مهابه
شيخة عرب متوارثينه من أزمان
أبوه قبله ما خسر من هقابه
من حدّ عرعر للقريات له شان
نوماس للجوبه وفخر القرابه
حمود ابن مشعل سلايل كحيلان
خوالدٍ من يوم وقت الحرابه
كسابةٍ جْزال الفعايل إلى الآن
قلته وأنا من لابةٍ خير لابه
سلايل الراشد هل المجد عتبان
إساعده من قبل دور الصحابه
خوالٍ لخير البشر نسل عدنان
رجل ترجّل… لكن أثره لم يترجّل
بعد أن سلّم المشيخة لابنه الشيخ خليل، لا يزال مجلس الشيخ حمود المشعل عامرًا بالزوار، يشهد على محبة الناس له، وهي محبة صُنعت عبر سنوات من العطاء والخلق والوقوف مع الناس في كل ظرف.
إن سيرة الشيخ حمود المشعل ليست مجرد تاريخ يُروى، بل نموذج لرجل جمع بين الحكمة والهيبة، بين التعليم والمجتمع، بين العميد والعمدة… فكان بحق صانع الإنسان نهارًا، وموقد شَبّة العمدة مساءً، وراسم زعبل على خارطة آثار الجوف.
وما هذا العطاء إلا ثمرة من ثمار رؤية الملك عبد العزيز – طيب الله ثراه – الذي جعل الأمن والاستقرار أساسًا لبناء الإنسان ونهضة المجتمع، فانبثقت من تلك الرؤية مسيرة تنموية وثقافية امتدت إلى كل مناطق المملكة، وكانت الجوف وأبناؤها جزءًا أصيلًا من هذا الامتداد المبارك.

