رشاد اسكندراني
مع انطلاق أعمال النسخة الثالثة من منتدى مكة للحلال 2026، تحت شعار “الحلال صناعة احترافية”، برز ملف المعايير بكونه أحد أهم المحددات الاستراتيجية لنمو قطاع الحلال عالميًا، في ظل ما يشهده السوق من توسُّع متسارع وتنوُّع جغرافي وتنظيمي، ويطرح هذا الواقع تساؤلًا محوريًا حول أثر اختلاف المعايير بين الدول على حركة التجارة الدولية، ومدى الحاجة إلى أُطر تنظيمية أكثر اتساقًا تُعزّز الثقة وتُقلِّل التباين في الاشتراطات.
وفي جلسة بعنوان “الحلال هوية احترافية عالمية”، أكد سعادة الأمين العام للغرفة الإسلامية للتجارة والتنمية يوسف حسن خلاوي أنَّ توحيد المعايير ينبغي أن ينطلق من داخل المنظومة الاقتصادية ذاتها، عبر مبادرة أصحاب الأعمال والتجار إلى تبنّي نموذج عمل احترافي قائم على التنظيم والالتزام الطوعي قبل الإلزام النظامي، وأوضح أن التجارب الناجحة في قطاعات أخرى؛ مثل الخدمات المالية الإسلامية، تؤكد أن البيئة المنظمة والمنافسة الواضحة أسهمتا في رفع مستوى المهنية وتعزيز الثقة، رغم محدودية حجم القطاع مقارنة بقطاعات أخرى.
وأضاف أن قطاع الحلال يمتلك المقومات ذاتها للانتقال إلى مرحلة أكثر احترافية، شريطة أن يُبنى على دورة عمل متكاملة تبدأ بالتخطيط الاستراتيجي، وتمرّ بسلسلة العمليات والإمداد، وصولًا إلى قياس رضا المستهلك وتحسين الأداء المستمر، وبيّن أن المعايير في هذا السياق لا تمثل عبئًا تنظيميًا، بل أداة لزيادة التنافسية وتعزيز فرص النفاذ إلى الأسواق.
وفي هذا الصدد، قال الأمين العام للمنتدى الإسلامي لجهات اعتماد الحلال (IFHAB)، م. بدر بن إبراهيم العبداللطيف، إنّ هناك جهات تقوم بصياغة أو وضع المواصفات، وجهات تقوم بالتحقق منها. وإذا نظرنا إلى البنية التحتية لجودة الحلال نجد أنها مقسمة إلى أربعة أقسام: جهات تضع المواصفات والمعايير، وجهات تقوم بعملية تقويم المطابقة، وجهات تقوم بعمل الاعتماد لهذه الجهات، وأخيرًا جهات القياس والمعايرة.
وأوضح أن هذه المواصفات يجب أن تكون مستقلة ومحايدة، لكنها تتكامل فيما بينها، إلّا أن بعض الجهات الوطنية تضع مواصفاتها الخاصة بالحلال كمرجعية لها، مما يؤدي إلى تعدّد ممارسات أنشطة التقويم والمطابقة كما ذُكر سابقًا.
وأكد العبداللطيف أن دور منتدى مكة للحلال حيويٌّ جدًا في ربط جميع الجهات ذات العلاقة بصناعة الحلال؛ فهناك الجهات الحكومية الرقابية، وجهات التقويم والمطابقة، وكذلك المستثمرون، وبالتالي فإن جمع هذه الجهات في مكان واحد وزمان واحد يختصر الكثير من القرارات ويخلق العديد من الفرص، كما يُسهم في تسريع عملية التكامل فيما بينها، ويؤطر المنظومة الرقابية بشكل عام لصناعة الحلال، وهو ما ينعكس في النهاية على سهولة وموثوقية منتج الحلال في دول العالم الإسلامي.
من جانبه، أوضح مدير ملفات الحلال بمركز الاعتماد الخليجي عبدالعزيز الصعب أن اختلاف المعايير بين الدول يُعدُّ من أبرز التحديات التي تواجه المصنعين والمصدرين، مشيرًا إلى أن الدول الخليجية تعتمد على مواصفات تصدرها هيئة التقييس لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (GSO)، إلى جانب معايير معهد المواصفات والمقاييس للدول الإسلامية (SMIIC)، ومن أبرز هذه المواصفات المواصفة الخليجية GSO 2055 بأجزائها المختلفة، إضافة إلى المواصفة 993 الخاصة باشتراطات الذبح.
وبيّن أن هذه المواصفات تخضع لمراجعات دورية عبر لجان فنية متخصصة تعقد اجتماعات منتظمة لتحديث الاشتراطات بما يتواءم مع التطورات التقنية والفقهية والتنظيمية في القطاع، إلا أن استمرار التباين بين بعض الأسواق يفرض على الشركات تكييف منتجاتها وإجراءاتها وفق متطلبات كل دولة، ما يرفع تكاليف الإنتاج ويؤثر في كفاءة سلاسل الإمداد.
وأشار إلى أن تفاوت نسب القبول والاعتراف المتبادل بالشهادات قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى رفض منتجات في أسواق معينة، وهو ما ينعكس سلبًا على حجم الإنتاج ويحدُّ من انسيابية تدفق السلع داخل السوق الحلال العالمي، رغم ما يتمتع به من فرص نمو واسعة.
وحول دور منتدى مكة للحلال في معالجة هذا التحدي، أكد الصعب أن النسخة الثالثة تمثِّل خطوة متقدمة في تعزيز التنسيق الدولي بين الجهات التنظيمية وهيئات الاعتماد ومؤسسات القطاع الخاص، لافتًا إلى أن توحيد المعايير يُعدُّ من أكثر الملفات تعقيدًا؛ نظرًا لتداخل الأبعاد الشرعية والتنظيمية والسيادية، إلا أن الحوار المؤسسي المستمر يفتح المجال أمام بناء إطار مرجعي مشترك أو مواصفة قياسية تحظى بقبول واسع بين الدول الإسلامية، بما يُسهم في تسهيل الإجراءات وتعزيز تدفق المنتجات عبر الحدود.
يُذكر أن منتدى مكة للحلال يُعدُّ منصة استراتيجية تجمع بين الفكر الاقتصادي، والمعايير التنظيمية، والتمكين المؤسسي، والابتكار التقني، بما يُعزِّز دور المملكة في قيادة تطوير منظومة الاقتصاد الحلال عالميًا، مستفيدةً من مكانة مكة المكرمة باعتبارها وجهةً جامعةً للعالم الإسلامي. ويأتي ذلك في سياق توجّه وطني يستهدف رفع كفاءة القطاعات الواعدة وتعزيز تنافسيتها دوليًا؛ انسجامًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتوسيع آفاق الشراكات والاستثمارات النوعية
