عسير… وداعٌ كتبه الأمير خالد الفيصل، وذاكرةٌ بقيت حيّة ….. قراءة ثقافية بقلم /أ.صالحة آل بيهان القحطاني

بعد نشر رسالة وداع الأمير خالد الفيصل إلى عسير كنصٍّ موثّق، تقدّم صحيفة الساحات العربية هذه القراءة الثقافية التي تحاول تفكيك دلالات الرسالة، وما تكشفه عن علاقة القائد بالمكان.

بلاغة الوداع في رسالة الأمير خالد الفيصل

هناك وداعات تُكتب لأن المنصب انتهى،

ووداعات تُكتب لأن القلب لا يريد أن يغادر بصمت.

ورسالة الأمير خالد الفيصل إلى عسير تنتمي بوضوح إلى النوع الثاني.

فهي ليست خطابًا إداريًا،

ولا بيان انتقال سلطة،

بل نصٌّ إنساني كُتب في لحظة فاصلة؛

حين يشعر الإنسان أن الموضع الذي عاش فيه

لم يعد مجرد موضع،

بل صار جذره الأول وجزءًا من هويته.

منذ السطر الأول،

لا يخاطب الأمير خالد الفيصل الناس،

بل يخاطب الأمانة.

يضع من يأتي بعده داخل سياق أخلاقي

قبل أن يضعه داخل سياق سياسي،

وهذا فرق جوهري بين من يرى المنصب وظيفة،

ومن يراه تكليفًا.

حين وصف عسير بأنها «الفرس الجموح»،

لم يكن ذلك تزيينًا لغويًا،

بل توصيفًا دقيقًا لطبيعة المكان:

الفرس لا تُروَّض بالقوة،

بل تُفهم وتُصاحب.

وهكذا يلمّح النص إلى فلسفة في الحكم

تقوم على الثقة لا على السيطرة.

ثم تأتي العبارة التي تختصر التجربة كلها:

«احتضن رجالها يحتضنوك،

وأكرمهم يقدموك،

وساعدهم يعينوك».

هذه ليست موعظة،

بل قانون اجتماعي:

الدولة التي لا تبدأ من الإنسان

تنتهي عنده.

وفي اعترافه بالفضل لأهل عسير،

يخرج الأمير خالد الفيصل من صورة

«صانع الإنجاز»

إلى صورة الشريك في تجربة جماعية،

حيث لا تُنسب التنمية إلى قرار،

بل إلى منطقة كاملة شاركت في بنائها.

لغة الأرض والإنسان والزمن في وداعه لعسير

الأمير خالد الفيصل لم يكتب بعقل إداري،

بل بأدوات شاعرٍ يعرف أن المكان

لا يُختصر في حدود.

لقد استدعى عسير بكل تضاريسها:

السحاب، المطر، الزهر، الشجر،

التراب، الحجر،

النحل، الطير، والنهر؛

كأنه يعيد بناء الأرض

في الذاكرة قبل أن يغادرها في الواقع.

واستدعى الإنسان بوصفه روح المكان:

رجالها، أهلها، شبابها، وأجيالها،

ليؤكد أن عسير لم تكن أرضًا فقط،

بل جماعة حياة شاركته الرحلة.

ثم نسج فوق ذلك شبكة مشاعر صادقة:

الوجل، التفاؤل، الرضا، التثاقل، الحب، العذر، والذكرى.

هذه ليست مفردات بلاغية،

بل مراحل رحلة إنسان

بدأ بخوفٍ مسؤول،

وانتهى بحزنٍ ودود.

أما الأخلاق،

فهي العمود الخفي في النص:

الثقة، الحكمة، الخير، الفضل، الشجاعة.

كلها تظهر لا كوعظ،

بل كقيم عاشها وتركها في المكان.

ويمتد الزمن في الرسالة

من ستةٍ وثلاثين عامًا مضت،

إلى أجيالٍ لم تولد بعد،

مرورًا بالشباب الذي عبر،

والذكريات التي ستبقى.

كأن الأمير خالد الفيصل يمدّ خيطًا بين الماضي والمستقبل

ويترك عسير في منتصفه،

ثابتةً كما جبالها.

وعندما يصل النص إلى لحظة الوداع،

يتخلى عن لغة الأرقام والمشروعات،

ويستحضر السحاب والمطر،

والزهر والحجر،

والنحل والطير والبشر.

كأن عسير لم تكن منطقة على خريطة،

بل كائنًا حيًا يحق له أن يُفتقد.

هو لا يودّع مدينة،

بل يودّع ذاكرة.

ولهذا يسأل:

«كيف أودع السحاب والمطر؟»

لأن من عاش المطر

يعرف أنه لا يُغادر بسهولة.

وفي ختام الرسالة،

لا يطلب الأمير خالد الفيصل تصفيقًا،

ولا شهادة إنجاز،

بل يطلب شيئًا أندر:

العذر إن قصّر،

والذكرى إن أحب.

وهنا تتجلّى أرقى صورة للقيادة:

أن تترك المكان

وأنت تأمل أن يتذكرك

لا لأنك كنت أميرًا،

بل لأنك كنت وفيًّا .

زر الذهاب إلى الأعلى