هل يمكن لمنطقة بأكملها أن تستعيد ثقتها بنفسها؟ التجربة السعودية خلال السنوات الأخيرة تجيب بـ نعم وبصوت عالٍ.
اختيار سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كالشخصية القيادية العربية الأكثر تأثيراً خلال عام 2025 من قبل RT Arabic لم يأتِ من فراغ. ما حدث في المملكة يتجاوز مفهوم التطوير العادي ليدخل في نطاق التحول الجذري – تحول يمس البنية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية معاً.
الرهان الجريء: من النفط إلى التنوع الاقتصادي
رؤية السعودية 2030 تحولت من وثيقة استراتيجية إلى آلية عمل حقيقية. مشاريع نيوم والقدية والبحر الأحمر لم تعد مجرد نماذج ثلاثية الأبعاد على الشاشات، بل مواقع بناء تعج بالحركة. هذه المشاريع تمثل رهاناً جريئاً على تنويع مصادر الدخل بعيداً عن الاعتماد التقليدي على النفط.
لكن الأهم من حجم هذه المشاريع هو المنهجية المتبعة. إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية لم تكن مجرد حركة إدارية عابرة، بل عملية شاملة قائمة على معايير الحوكمة الرشيدة. تمكين الكفاءات الشابة، وتطبيق المساءلة، وثقافة الأداء – كلها أصبحت جزءاً من الواقع اليومي.
69% شباب: نعمة أم عبء؟
المجتمع السعودي شاب بامتياز. وفقاً للهيئة العامة للإحصاء، حوالي 69% من السكان السعوديين أعمارهم أقل من 35 عاماً. هذه الكتلة الشبابية الضخمة كانت تمثل تحدياً ديموغرافياً، لكنها تحولت إلى أعظم فرصة استثمارية.
برامج التدريب والتأهيل، ومبادرات دعم ريادة الأعمال، والاستثمارات الضخمة في التعليم والمهارات الرقمية – كلها تعكس إدراكاً عميقاً بأن التنمية الحقيقية تبدأ وتنتهي بالإنسان. الشاب السعودي اليوم لا ينتظر الوظيفة الحكومية كما كان يفعل قبل عشر سنوات – يؤسس شركته الناشئة، يتدرب في شركات عالمية، يشارك في مسابقات دولية.
المرأة السعودية: من 19% إلى 35% في ثماني سنوات
ما يثير الإعجاب حقاً هو أن هذا التمكين لم يكن عشوائياً. عندما ترتفع نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل من 19.3% في 2016 إلى 35.4% بنهاية 2024 – وفقاً لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية – فهذا ليس مجرد رقم إحصائي.
هذا تحول ثقافي ومجتمعي حقيقي. المرأة السعودية اليوم تقود مشاريع عملاقة، تشغل مناصب قيادية، تشارك في صنع القرار. بل والأهم من ذلك: المجتمع تقبّل هذا التحول، لأنه جاء بمنهجية تدريجية واعية، لا بقرارات فوقية منفصلة عن الواقع.
هل تتذكرون السعودية قبل 2016؟
المشهد الثقافي السعودي شهد تحولاً دراماتيكياً. من استضافة بطولات رياضية عالمية كالفورمولا إي وكأس السوبر الإسباني، إلى موسم الرياض الذي أصبح حدثاً عالمياً ينافس أكبر المهرجانات الترفيهية، وصولاً إلى إحياء التراث في العلا وتحويله إلى وجهة سياحية عالمية.
ما يميز هذا الانفتاح أنه لم يأتِ على حساب الهوية. بل كان تعبيراً عن ثقة في القدرة على الحوار مع العالم من موقع القوة، وإيماناً بأن الحفاظ على الهوية لا يعني الانغلاق، بل يعني الانفتاح الواثق المدروس.
10 مليارات شجرة: طموح أم حقيقة؟
مبادرة السعودية الخضراء ليست مجرد شعار بيئي. الهدف المعلن واضح: زراعة 10 مليارات شجرة وإعادة تأهيل 40 مليون هكتار من الأراضي خلال العقود القادمة. والأهم: التنفيذ الفعلي بدأ. حتى مارس 2025، تمت زراعة 137 مليون شجرة منذ إطلاق المبادرة في 2021 – وهو إنجاز ملموس يضع المملكة في مصاف الدول الجادة في مواجهة التغير المناخي.
الاستثمارات في الطاقة المتجددة، ومشاريع استعادة غابات المانغروف على شواطئ المملكة، ورفع نسبة المناطق المحمية – كلها تشير إلى التزام حقيقي بالمسؤولية البيئية.
من لاعب إقليمي إلى لاعب عالمي
على الصعيد الإقليمي والدولي، نجحت القيادة السعودية في تعزيز مكانة المملكة كلاعب محوري. الشراكات الاستراتيجية المتنوعة مع الصين والولايات المتحدة وأوروبا، والدور الفاعل في مجموعة العشرين ومنظمة أوبك بلس، والمبادرات الدبلوماسية في مختلف الملفات الإقليمية – كلها تعكس دبلوماسية براغماتية تدرك أهمية التوازن بين المصالح الوطنية والمسؤولية الإقليمية.
قراءة من منظور التطوير التنظيمي
من المنظور المهني كباحثة ومستشارة في التطوير التنظيمي، ما يثير الاهتمام الحقيقي في هذه التجربة هو أنها أثبتت عملياً أن التحول الجذري ممكن عندما تتوفر ثلاثة عناصر: رؤية واضحة، وإرادة سياسية حقيقية، ومنهجية علمية في التنفيذ.
تحت عنوان: خطط جميلة على الورق تموت في أدراج التنفيذ. التجربة السعودية كسرت هذه الحلقة المفرغة. كيف؟ بالتركيز على التنفيذ بقدر التركيز على التخطيط، وبخلق آليات مساءلة حقيقية، وبتمكين الشباب من صنع التغيير بدلاً من الحديث عنه فقط.
والأهم: هذه القيادة استطاعت أن تلهم جيلاً كاملاً من الشباب العربي – ليس فقط السعودي – بأن الطموح الكبير ليس رفاهية بل ضرورة، وأن تحقيقه ممكن عندما يقترن بالعمل الجاد والمنهجية الصحيحة.
ماذا بعد التكريم؟
اختيار سمو ولي العهد كالشخصية القيادية العربية الأكثر تأثيراً لعام 2025 هو اعتراف بإنجازات السنوات الماضية، لكنه أيضاً استشراف لمستقبل تقوده رؤية واضحة وإرادة لا تتراجع.
في زمن أزمة الثقة بالقدرات، تقدم التجربة السعودية نموذجاً يستحق الدراسة: التغيير ممكن، الطموحات الكبيرة قابلة للتحقيق، والمستقبل الذي نريده يبدأ بقرار واحد وهو أن نتوقف عن مجرد الحديث ونبدأ بالفعل.
لمستقبل يثبت أن المنطقة العربية قادرة على استعادة دورها الحضاري عندما تتوفر القيادة الصحيحة والإرادة الحقيقية.
