كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل حين أيقظني صوت طرقٍ متتابع. لم يكن طَرقًا على الباب، بل على النافذة… أدركته فورًا الزائر المنتظر، الزائر الذي اشتقنا إليه طويلًا، وكنا نترقبه كل ليلة، جاء المطر ليُدلّلنا. كانت زخّاته تتساقط على زجاج النوافذ، بينما الغيوم الملبّدة تغطي سماء الرياض، فتجعلها أجمل ما تكون. ما أعذب الرياض وأبهى ملامحها وقت المطر.
لماذا نحب المطر؟ وهل كل البشر يشعرون بما نشعر به؟
هل تتغير نفسية الجميع عند نزوله، أم أن المطر يملك مفاتيح خاصة لا تفتح إلا قلوبًا معينة؟
لماذا نصغر فجأة حين يهطل، ونعود أطفالًا مهما أثقلتْنا الحياة؟
ثلاث روائح تسكن ذاكرتي:
رائحة القهوة في الصباح الباكر، ورائحة إشعال النار في البرد القارس، ورائحة الرمل بعد سقوط المطر.
أنا من عشاق الشتاء، ومن محبي المطر، فما إن أسمع صوته، حتى ابتسم بلا وعي، كأن المطر يغسل أرواحنا قبل أن يغسل الأرض، ويجلي الهموم قبل أن يجلي الغبار. يدخل البهجة إلى قلوبنا، فيكون مصدرًا لسعادتنا.
أعشق التجول بالسيارة وقت نزوله، وأحب انعكاس أضواء السيارات على الطرق المبتلة، ذلك اللمعان الذي يشبه بريقًا يتهادى فوق سطح الزمن. نقسو مع الأيام، ونرقّ مع المطر.
خلَق الله الخلق، وجعل في بعض مخلوقاته كماء المطر النفع والبركة لابن آدم. فهو رزق ورحمة. وقد كان نبينا الكريم ﷺ يتعرض للمطر ويقول: «لأنه حديث عهد بربه تعالى»، فيزداد المطر جمالًا حين نراه نعمةً ورحمةً وقربًا من الله.
الجميع يسعد بالمطر… إلا من استشورت شعرها، فهي وحدها التي تخشى أن تفسد الرطوبة تعب ساعة كاملة من الاستشوار، فتقف خلف النافذة متحسرة، تراقب المطر من بعيد.
المطر ضيفٌ مرحّب به دائمًا، لا نملّه، ولا نكتفي منه. وإن تأخر، ارتفعت الأيدي إلى السماء تستسقي الله. وأتذكر هنا ما ورد في السنة النبوية عن سليمان عليه السلام حين خرج يستسقي بالناس، فسمع نملةً رافعة قوائمها إلى السماء تقول: «اللهم إنا خلقٌ من خلقك، ليس بنا غنى عن رزقك…» فقال لقومه: ارجعوا فقد سُقيتم بدعوة غيركم.
يغيث الله الناس بدعاء نملة… فسبحان من رحمته وسعت كل شيء.
عند نزول المطر يتوقف كل ما يكدر صفو الحياة، كأن السماء تمنحنا فسحةً من الهدوء، وترويحًا للنفس، وكأن السحب تبكي لإسعادنا ومنحنا القوة. جوٌ بديع، وانشراح صدر، وطمأنينة لا يوازيها شعور.
استمتعوا بالمطر… لا تضيعوا هذه الأيام المباركة، ولا تفوّتوا هذه اللحظات الجميلة. اصنعوا لأنفسكم ذكريات لا تُنسى مع من تحبون.
نسأل الله أن يجعل كل قطرة مطر تفريجًا وسعادة ورزقًا وعافية واستجابة دعاء، وأن يروي بها أرواحنا كما يروي بها الأرض، ويجعلها بشائر خير لا تنقطع.
