د .غديرعبدالله الطيار
ثمانون عامًا من الشراكة بين المملكة العربية السعودية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، ليست مجرد امتداد زمني لعلاقة دولية، بل مسيرة وطن آمن منذ البدايات بأن بناء الإنسان هو أساس بناء الحضارات، وأن الاستثمار في التعليم والعلم والثقافة هو الاستثمار الأعمق أثرًا والأبقى نفعًا للأجيال والمجتمعات.
وتأتي هذه المناسبة التاريخية لتجسد ثمانية عقود من الإسهام السعودي في دعم رسالة اليونسكو وتعزيز التعاون الدولي في مجالات التربية والعلم والثقافة، وترسيخ قيم السلام والتفاهم الإنساني والتنمية المستدامة، في مسيرة انتقلت فيها المملكة من المشاركة الفاعلة في الجهود الدولية إلى الإسهام في بناء المبادرات والمؤسسات والشراكات التي تصنع أثرًا معرفيًا وتنمويًا يتجاوز الحدود الجغرافية.
وقد شهدت هذه الشراكة تطورًا نوعيًا في ظل ما توليه القيادة الرشيدة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظهما الله، من اهتمام بالغ بالتعليم وتنمية القدرات البشرية، وتعزيز مكانة المملكة شريكًا دوليًا مؤثرًا في صياغة مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة.
ولعل ما يميز التجربة السعودية في تعاونها مع اليونسكو أنها لم تقتصر على دعم البرامج والمبادرات الدولية، بل امتدت إلى تأسيس مؤسسات معرفية متخصصة، واحتضان بيوت خبرة إقليمية ودولية، وتطوير شراكات استراتيجية تسهم في نقل المعرفة وبناء القدرات وتحويل التوجهات العالمية إلى ممارسات تنموية قابلة للتطبيق والقياس.
وفي مقدمة هذه النماذج المؤسسية، يأتي مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعليم، الذي تأسس في المملكة العربية السعودية عام 2014م، بموجب الاتفاقية المبرمة بين حكومة المملكة ومنظمة اليونسكو، ليجسد إحدى المبادرات السعودية النوعية في دعم جودة التعليم وتميزه في الدول العربية، وليكون بيت خبرة متخصصًا يسهم في تطوير السياسات والممارسات التعليمية، وتعزيز التعاون والشراكات مع المؤسسات والمنظمات الإقليمية والدولية.
ولقد حظي المركز، منذ تأسيسه، برعاية واهتمام ودعم كبير من حكومة المملكة العربية السعودية، تجسد في الموافقات السامية على إنشائه، ودعم مقومات استدامته المؤسسية، وتجديد اتفاقيته مع منظمة اليونسكو، فضلًا عن تخصيص موقع استراتيجي له في مدينة الجبيل الصناعية، بما يعكس ما توليه المملكة من عناية بتأسيس المؤسسات المتخصصة القادرة على خدمة التعليم، وتعزيز حضورها المعرفي والتنموي على المستويين الإقليمي والدولي.
وإننا في مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعليم، ونحن نستحضر هذه المناسبة التاريخية، لنرفع أسمى آيات الشكر والعرفان والتقدير إلى مقام خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، حفظهما الله، على ما يحظى به قطاع التعليم من دعم كبير واهتمام متواصل، وعلى ما قدمته المملكة العربية السعودية من رعاية كريمة ودعم سخي واهتمام مؤسسي أسهم في تأسيس المركز، وتمكينه من أداء رسالته، وتعزيز مكانته بيت خبرة متخصصًا في جودة التعليم وتميزه.
كما نعرب عن بالغ تقديرنا وامتناننا لحكومة المملكة العربية السعودية على ما قدمته وتقدمه من دعم ورعاية ومساندة لمسيرة المركز، وعلى جهودها في تعزيز استدامة عمله المؤسسي، وتيسير علاقاته وشراكاته، ودعم حضوره في المنظومة التعليمية الإقليمية والدولية، انطلاقًا من إيمان المملكة بأن جودة التعليم مسؤولية مشتركة، وأن تمكين الدول من تطوير نظمها التعليمية يمثل إسهامًا أصيلًا في تحقيق التنمية المستدامة وبناء مستقبل أفضل للإنسانية.
إن هذا الدعم السعودي المتواصل لا يمثل مجرد تمكين مؤسسي للمركز، بل يعكس رؤية وطنية عميقة تجعل من التعليم الجيد والمنصف والشامل للجميع ركيزة لتحقيق التنمية والازدهار، وتؤكد التزام المملكة برسالة اليونسكو وأهدافها الإنسانية، ولا سيما الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بضمان التعليم الجيد وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع.
ومن هذا المنطلق، عمل المركز خلال مسيرته على ترجمة هذا الدعم إلى برامج ومشروعات ومبادرات علمية وتنموية، أسهمت في دعم السياسات التعليمية، وتطوير الأطر والمعايير والمؤشرات، وبناء القدرات، وتعزيز ثقافة الجودة والتميز في المؤسسات التعليمية بالدول العربية.
وقد برزت إسهامات المركز في عدد من المسارات الاستراتيجية، من بينها تطوير النموذج العربي للجودة والتميز في التعليم، والبرامج المعنية باستشراف مستقبل جودة التعليم، وتعزيز جودة مهنة التعليم، وتطوير مؤشرات التعليم ومرصد البيانات الإقليمي، ودعم التعلم مدى الحياة، والتعليم الأخضر، وجودة التعليم في الأزمات والطوارئ، فضلًا عن المبادرات البحثية والعلمية والشراكات التي تسهم في نقل المعرفة وتبادل الخبرات والممارسات الدولية.
كما أسهم المركز في تعزيز الحضور السعودي في عدد من المبادرات والشبكات واللجان الدولية المعنية بمستقبل التعليم ومهنة التدريس وجودة التعلم، ومنها الفريق الدولي الخاص المعني بالمعلمين، والمبادرات المرتبطة بمنظومة اليونسكو، بما يجسد الدور الذي تضطلع به المملكة في دعم الجهود الدولية الرامية إلى تطوير التعليم وتعزيز مكانة المعلم وتمكين المجتمعات من فرص التعلم المستدام.
وتأتي هذه الإسهامات امتدادًا لتوجهات رؤية السعودية 2030، التي جعلت تنمية القدرات البشرية وبناء مجتمع المعرفة وتعزيز الابتكار والجودة والتميز من المرتكزات الأساسية للتحول الوطني، ورسخت نموذجًا تنمويًا يؤكد أن التعليم ليس قطاعًا خدميًا فحسب، بل محرك استراتيجي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وفي عالم تتسارع فيه التحولات الرقمية والتقنية والاقتصادية والبيئية، لم تعد جودة التعليم تُقاس بمدى توافر الفرص التعليمية وحدها، بل بقدرة النظم التعليمية على تحقيق تعلم حقيقي، وتنمية المهارات والقيم، وتعزيز الإنصاف والشمول، وإعداد الأجيال للمشاركة الفاعلة في بناء مستقبل أكثر استدامة.
وهنا تبرز الحاجة الدولية إلى إعادة تصور الجودة والتميز في التعليم، والانتقال من التركيز على المدخلات والإجراءات إلى قياس النتائج والأثر، ومن معالجة التحديات بصورة منفردة إلى تطوير حلول تكاملية قائمة على البيانات والأدلة والاستشراف والشراكات متعددة الأطراف.
وانطلاقًا من هذه التحولات، يتطلع المركز، مستندًا إلى ما حققه من مكتسبات وإلى ما يحظى به من دعم المملكة العربية السعودية، إلى توسيع إسهاماته الدولية وتعزيز القيمة المضافة التي يقدمها لمنظومة اليونسكو والدول الأعضاء، من خلال تطوير أدوات ونماذج علمية قابلة للتكييف مع السياقات التعليمية المختلفة، وتعميق التعاون الدولي في مجالات جودة التعليم وتميزه.
ويمثل هذا التوجه امتدادًا طبيعيًا لمسيرة المركز، وفرصة لتعظيم العائد التنموي والمعرفي للاستثمار السعودي في المؤسسات الدولية المتخصصة، وتعزيز حضور المملكة بوصفها دولة مقر داعمة للعمل متعدد الأطراف، وممكنًا رئيسًا للمبادرات التي تسهم في تطوير التعليم وبناء القدرات البشرية على المستوى العالمي.
إن الاحتفاء بثمانين عامًا من الشراكة السعودية مع اليونسكو يكتسب أهمية خاصة حين ننظر إليه من منظور المستقبل؛ فالشراكات الدولية الناجحة لا تُقاس بطول عمرها فحسب، وإنما بما تنتجه من معرفة، وما تتيحه من فرص، وما تتركه من أثر مستدام في حياة الإنسان.
وإذا كانت العقود الثمانية الماضية قد أرست أسسًا راسخة للتعاون والتأثير، فإن المرحلة المقبلة تفتح آفاقًا أوسع أمام المبادرات السعودية ومؤسساتها المتخصصة لتقديم إسهامات نوعية في معالجة التحديات التعليمية العالمية، ودعم السياسات المستندة إلى الأدلة، وتعزيز جودة التعلم، والاستثمار في الإنسان بوصفه محور التنمية وغايتها.
ونحن في مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعليم، نعتز بأن يكون المركز أحد ثمار هذه الشراكة التاريخية، وإحدى المبادرات التي احتضنتها المملكة ودعمتها، ونستشعر عظم المسؤولية في المحافظة على هذا المكتسب الوطني والدولي، وتعظيم أثره، ومواصلة العمل بما يجسد الثقة والدعم اللذين حظي بهما، ويترجم تطلعات القيادة الرشيدة في أن تكون المملكة أنموذجًا عالميًا في الجودة والتميز، وشريكًا فاعلًا في بناء مستقبل التعليم.
ختامًا، فإننا نجدد بالغ الشكر والامتنان والوفاء لقيادتنا الرشيدة، ولحكومة المملكة العربية السعودية، وجميع الجهات الوطنية والشركاء الذين أسهموا في دعم هذه المسيرة وتمكينها، مؤكدين أن ما تحقق من مكتسبات يمثل مسؤولية لمواصلة العمل والبناء والتطوير، واستثمار الفرص المستقبلية لتعزيز الإسهام السعودي في خدمة التعليم والإنسانية.
فثمانون عامًا من الشراكة السعودية مع اليونسكو ليست مجرد تاريخ نحتفي به، بل إرث من العطاء ومسؤولية تجاه المستقبل؛ ومن وطن يستثمر في الإنسان، تنطلق المعرفة، وتُصنع فرص التميز، ويمتد الأثر إلى العالم.
