كانت فتاة تهوى الرسم على الأكواب. بدأت تنشر أعمالها على وسائل التواصل الاجتماعي، وسرعان ما لاقت رسوماتها إعجابًا واسعًا؛ كانت الأكواب جميلة، وكأن كل واحدة منها قطعة صغيرة من الفن.
شجّعها ذلك على افتتاح متجر صغير. وضعت فيه أكوابًا تحمل رسوماتها، وتركت بعضها بلا رسم، لمن يريد أن يحضر تصميمه الخاص فتتولى هي رسمه على الكوب.
ومع الوقت، بدأ الناس يتعرفون إلى المتجر، وكثرت الطلبات حتى احتاجت إلى من يساعدها. انضم إليها رسامون آخرون، ثم بدأ الفريق يكبر ويتطور، ويستخدم أدوات وتقنيات جديدة لتسهيل العمل وتسريع إنجازه. شيئًا فشيئًا، لم يعد المتجر يعتمد على شخص واحد، بل أصبح وراءه فريق يعرف طريقة العمل ويشارك في تطويرها.
ثم بدأت تصلها طلبات من مدن أخرى.
لم يكن الزبائن يريدون شراء الأكواب فقط؛ بعضهم كان يتمنى أن يجد المتجر نفسه في مدينته. وبعد نقاشات طويلة مع فريقها، قررت الفتاة افتتاح فرع ثانٍ.
في البداية، بدا الأمر وكأنه نجاح طبيعي. متجر جديد، وفريق جديد، وزبائن جدد.
لكن بعد فترة، بدأت تصلها ملاحظات مختلفة.
كان بعض الزبائن يقولون إن الفرع الأصلي أفضل، وإن جودة الرسومات فيه أجمل، وإن وجود صاحبة المتجر بنفسها يجعل التجربة مختلفة. أصبح هناك فرع يُنظر إليه باعتباره المكان الذي يقدم التجربة
الحقيقية، بينما يأتي الفرع الآخر في المرتبة الثانية.
شعرت الفتاة بالقلق.
لم تكن تريد أن يرتبط نجاح المتجر بوجودها الشخصي، ولا أن تختلف جودة العمل باختلاف الرسامين أو الفرع. كانت تريد شيئًا آخر تمامًا ، أن يحصل الزبون على التجربة نفسها أينما ذهب.
إذا طلب كوبًا بتصميم معين، يجب أن يجد المستوى نفسه من الجودة في أي فرع. وإذا غابت صاحبة المتجر، يجب أن تستمر الطريقة نفسها. وإذا افتُتح فرع ثالث أو رابع، فلا ينبغي أن تختلف جودة الرسومات من فرع إلى آخر، أو أن تتوقف على مهارات الرسامين العاملين فيه.
كانت تريد أن تجعل تجربتها قابلة للتكرار.
لكن كيف يمكن تحويل تجربة تعتمد على مهارة أشخاص مختلفين إلى نظام يمكن نقله من مكان إلى آخر، من دون أن يفقد ملامحه الأساسية؟
—
يمكننا أن ننظر إلى قصة أحد أشهر المطاعم في العالم .. مــاكـدونالـدز.
كيف يستطيع موظف قليل الخبرة أن يؤدي عمله داخل المطعم، ويقدم للزبون تجربة متقاربة مع ما يقدمه موظف آخر في فرع مختلف؟ وكيف تحافظ ماكدونالدز على تجربة متقاربة في فروعها حول العالم؟
تبدأ القصة مع الأخوين ريتشارد وموريس ماكدونالد، اللذين افتتحا مطعمًا للوجبات السريعة في كاليفورنيا.
ومع ازدياد شعبية المطعم، بدأ الأخوان يطلبان أعدادًا كبيرة من آلات إعداد الحليب المخفوق. لفت ذلك انتباه مندوب المبيعات راي كروك، فقرر زيارة المطعم بنفسه.
عندما وصل كروك، أُعجب بسرعة الخدمة وبالطريقة التي يسير بها العمل. وفي فيلم The Founder، يظهر هذا الإعجاب بوضوح، حين يصله كيس الطعام في أقل من ثلاث دقائق.
لم تكن هذه السرعة مصادفة؛ فقد صمّم الأخوان طريقة عمل واضحة، يعرف فيها كل موظف مهمته، وتُنفَّذ كل خطوة بترتيب محدد.
رأى كروك فرصة لتوسيع هذا النموذج، فأقنع الأخوين بمنحه صلاحيات لافتتاح فروع جديدة، وافتتح أول مطعم له في ديس بلينز بولاية إلينوي.
لكن التوسع طرح سؤالًا مهمًا: كيف يمكن الحفاظ على مستوى الخدمة نفسه مع افتتاح المزيد من الفروع؟
طوّرت ماكدونالدز نظامًا تشغيليًا يحدد تفاصيل العمل داخل المطعم؛ من إعداد البرغر وتغليفه، وتجهيز البطاطا المقلية وتعبئتها، إلى إدارة المخزون وتنظيف المكان. لكل مهمة إجراءات واضحة، ولكل موظف دور محدد، بحيث تسير العمليات وفق طريقة موحدة في مختلف الفروع.
وبذلك، لم تعد جودة الخدمة مرتبطة بموظف بعينه أو بطريقة عمل فرع واحد، بل أصبحت جزءًا من نظام تشغيلي تسعى ماكدونالدز إلى تطبيقه في مختلف فروعها.
وهكذا، لم يكن نجاح ماكدونالدز قائمًا على بيع الوجبات السريعة فحسب، بل على بناء نظام يجعل العمل قابلًا للتكرار، ويحافظ على تجربة متطابقة مهما اختلفت الفروع والموظفون.
لكن هل يمكن لهذا النموذج أن يتجاوز حدود المطاعم، ويصبح أسلوبًا لتنظيم العمل في مجالات أخرى؟
لاحظ عالم الاجتماع الأمريكي جورج ريتزر أن أسلوب العمل الذي تتبعه مطاعم الوجبات السريعة مثل ماكدونالدز ، لم يعد مقتصرًا على المطاعم فحسب، بل بدأ يمتد إلى قطاعات مختلفة من المجتمع، مثل التعليم والطب وطريقة عمل المؤسسات.
وفي عام 1983م ، نشر ريتزر مقالًا بعنوان “The McDonaldization of Society ” أي 《مــاكدونالديـة المجتمع》 ، ثم طوّر فكرته إلى كتاب يحمل العنوان نفسه.
المــاكـدونالـديـة
يصفها جورج ريتزر بأنها انتشار لأسلوب عمل مطاعم الوجبات السريعة في قطاعات المجتمع المختلفة، بحيث تصبح السرعة وتوحيد الإجراءات وسائل لتنظيم العمل و تحقيق نتائج متوقعة.
كيف لاحظ ريتزر المــاكدونالديــة؟
لم ينظر جورج ريتزر إلى ماكدونالدز باعتبارها مجرد سلسلة مطاعم ناجحة، بل وجد في طريقة عملها نموذجًا أخذ ينتشر في مجالات مختلفة من الحياة. لاحظ أن هذا النموذج يقوم على تسريع إنجاز الأعمال وتقليل تكلفتها، والاهتمام بالأرقام والكميات أكثر من بعض جوانب الجودة، وتقديم منتجات وخدمات متشابهة تمنح المستهلك تجربة مألوفة أينما ذهب، فضلًا عن إحكام السيطرة على سير العمل من خلال القواعد والأنظمة، بدلًا من ترك مساحة واسعة للاجتهاد البشري.
لكن ما الذي يعنيه انتشار هذا النموذج خارج المطاعم؟
تعتمد حياتنا في القرن الحادي والعشرين على السرعة وسهولة الحصول على الأشياء، من المحتوى الذي نشاهده عبر الإنترنت إلى السلع التي نشتريها. فقد أصبحت حياتنا اليومية مصممة لتلبية احتياجاتنا بسرعة، وتقليل الوقت الذي نقضيه في الانتظار.
لكن ، إذا كان النظام القابل للتكرار يساعد المطاعم على تقديم تجربة متقاربة في فروعها، فهل يحقق النتيجة نفسها في المؤسسات الأخرى؟ وهل يمكن تطبيق المبادئ ذاتها على التعليم والطب دون التأثير في قدرة المؤسسات على الاستجابة لاختلاف احتياجات الأفراد؟ وهل تكفي الإجراءات الموحدة والأرقام القابلة للقياس للحكم على جودة التجربة؟ وأين تنتهي فائدة التنظيم وتبدأ الحاجة إلى المرونة والاجتهاد الفردي؟
لم يكن السؤال الذي شغل ريتزر: لماذا نجحت مطاعم ماكدونالدز أكثر من غيرها؟ بل: كيف أصبح النظام الذي تتبعه مطاعم الوجبات السريعة نموذجًا لتنظيم جوانب متزايدة من حياتنا؟
