«جدني.. لا تقرأني».. حين تصبح الرسائل بوابةً للبوح وتعدد الحكايات

الرياض – صالحة آل بيهان القحطاني

احتفى صالون نُبل الثقافي مساء الأحد 18 أكتوبر 2026م، في مكتب مدينتي بحي المغرزات في الرياض، بتدشين رواية «جدني.. لا تقرأني» للروائية نورة المطيري، في أمسية أدبية أدارها الإعلامي عبدالله وافية، وشارك فيها بالقراءة والنقاش الروائية والقاصة آمال الغامدي والدكتور أحمد القيسي، وسط حضور ثقافي تفاعل مع الرواية وما تفتحه من أسئلة حول الإنسان والبوح وتعدد زوايا الحكاية.

وتنتمي الرواية إلى أدب الرسائل متعدد الأصوات، حيث تتقاطع الرسائل والشخصيات لتتشكل الحكاية من أكثر من زاوية، مستفيدة من الفضاء الرقمي ومنصة X (تويتر سابقًا) بوصفها جزءًا من البناء السردي، لا مجرد خلفية للأحداث.

من البحث عن الأم إلى مساحة للبوح

وتنطلق إحدى خيوط الرواية من فتاة تبحث عن والدتها المختفية منذ سبع سنوات. وفي لحظة يأس واشتياق، تعود إلى حساب والدتها على منصة X وتقرأ منشوراتها القديمة، محاولةً استعادة شيء من حضورها وصوتها.

ومع اشتداد الحنين، تبدأ في الكتابة إلى والدتها عبر الرسائل الخاصة؛ لا يشغلها حينها إن كانت الأم ستقرأ تلك الرسائل أو ستجيب عنها، بقدر حاجتها إلى أن تصل إليها بطريقة ما، وأن تجد مكانًا تضع فيه ما يثقل قلبها.

ومن هذه المساحة تتسع الحكاية إلى شخصيات أخرى تلجأ هي الأخرى إلى الكتابة والبوح بما تخفيه من مشاعر، دون انتظار قراءة أو رد أو سؤال أو حكم، لتتحول الرسالة في الرواية إلى مساحة إنسانية يقول فيها المرء ما قد يعجز عن قوله حين يكون أمام الآخرين.

نورة المطيري: الحكاية لا تُرى من زاوية واحدة

وتحدثت الروائية نورة المطيري عن تجربتها في بناء العمل، موضحة أنها أرادت خوض تحدٍ سردي وتقديم الرواية بطريقة مختلفة، فاختارت تعدد الأصوات لتُرى الأحداث من زوايا شخصياتها المختلفة، بحيث تسهم تلك الأصوات مجتمعة في تشكيل الصورة الكاملة للحكاية.

وأوضحت المطيري أن وراء هذا الاختيار فكرة تتجاوز التقنية السردية إلى التجربة الإنسانية نفسها؛ فالإنسان كثيرًا ما يحكم على موقف من وجهة نظره وحدها، بينما قد تكشف معرفة وجهة نظر الطرف الآخر تفاصيل قادرة على تغيير فهمه للموقف بأكمله.

كما أشارت إلى أن القراءة نفسها تختلف باختلاف القارئ وتجربته؛ فكل شخص قد يستقبل النص ويفسره من زاويته الخاصة، وهو ما يترك مساحة للتأويل والاكتشاف، بدل تقديم معنى واحد مغلق للحكاية.

آمال الغامدي: سرد رقمي يواكب العصر

وقدمت الروائية والقاصة آمال الغامدي قراءة نقدية للرواية، رأت فيها تجربة تواكب العصر من خلال توظيف أدب الرسائل الرقمية ومنصة X داخل البناء الروائي، مشيرة إلى أن هذا التوظيف منح العمل طرحًا معاصرًا ومبتكرًا.

ولفتت إلى تصاعد الأحداث وما تحمله الرواية من إثارة وتشويق، إلى جانب مساحات للتأمل في قضايا إنسانية واجتماعية، موضحة أن القارئ يمضي في الرواية معتقدًا في مراحل منها أنه أصبح قريبًا من الحقيقة، قبل أن تقوده نهاية غير متوقعة إلى إعادة النظر في كثير مما سبق أن قرأه.

كما أشارت الغامدي إلى حضور موضوعات مرتبطة بالمجتمع وبيئات العمل، معتبرة أن الفكرة وطريقة توظيف وسائل التواصل الحديثة في السرد كانتا من أبرز ما جذبها إلى تناول العمل نقديًا.

القيسي: بعض الروايات لا تنتهي بانتهاء قراءتها

ومن زاوية أخرى، تناول الدكتور أحمد القيسي مفهوم القيمة الأدبية للرواية، معتبرًا أن قيمة العمل لا تتحدد فقط بما يقوله للقارئ أثناء القراءة، وإنما بما يتركه فيه بعد أن يفرغ من صفحته الأخيرة.

وأشار إلى أن بعض الروايات تنتهي صفحاتها، بينما تظل أحداثها وشخصياتها وأفكارها حاضرة في ذاكرة القارئ، مؤكدًا أن هذا الأثر الممتد هو ما منح كثيرًا من الأعمال الروائية العالمية قدرتها على تجاوز زمنها والبقاء في وجدان أجيال متعاقبة من القراء.

عبدالله وافية: الحوار الجيد يبدأ بالإعداد

وكان الإعلامي عبدالله وافية قد استهل الأمسية بالترحيب بالحضور والمشاركين، قبل أن يفتح الحوار مع نورة المطيري، ثم ينتقل إلى آمال الغامدي والدكتور أحمد القيسي، ليتسع النقاش بعد ذلك بين المشاركين حول الرواية وتجربتها السردية.

وفي حديثه عن إدارة اللقاءات الثقافية، أكد وافية أن الحوار الناجح يبدأ بالإعداد الجيد ومعرفة المقدم بضيوفه والموضوع المطروح، إلى جانب سلاسة التقديم ولغة الجسد والقدرة على التواصل مع الجمهور؛ وهي عناصر رأى أنها تسهم في صناعة حوار يبقى أثره في الذاكرة.

وحول الرواية، أشار إلى أن «جدني.. لا تقرأني»، وهي التجربة الروائية الثانية لنورة المطيري، ترصد جانبًا من المرحلة التي يعيشها المجتمع السعودي وما يشهده من تحولات نحو النهضة، ومن بينها تمكين المرأة، متجنبًا الكشف عن تفاصيل قد تحرم القارئ متعة اكتشاف أحداثها.

أصداء الحضور

وحظيت الرواية بتفاعل الحضور، حيث رأى أحدهم في عنوان «جدني.. لا تقرأني» دعوةً مزدوجة إلى اللقاء والاكتشاف، تبدأ بالتساؤل والبحث عن العمق، وتحمل حكايةً تتقاطع فيها المشاعر الإنسانية مع تجربة سردية خاصة تقوم على العبارات والرسائل.

كما وُصفت أجواء العمل بأنها تمزج بين العمق النفسي والتأمل الوجودي والغموض والأسئلة المعلّقة، بما يترك للقارئ مساحة لمواصلة التفكير في النص ودلالاته.

منصور الزغيبي: الأدب السعودي إلى آفاق أوسع

وتحدث مؤسس صالون نُبل الثقافي الأستاذ منصور الزغيبي عن رسالة الصالون وأثره الذي يسعى إلى ترسيخه في المشهد الثقافي، مؤكدًا اهتمامه بنشر الثقافة والمعرفة والقيم بين مختلف شرائح المجتمع، وتعزيز حضور الأدب في حياة الفرد والمجتمع، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.

وأشار الزغيبي إلى اهتمام الصالون بدعم الأدب السعودي والتعريف بمنجزه النوعي، ومن ذلك مبادرة «تصدير الأدب السعودي إلى العالم»، الهادفة إلى نقل النتاج الأدبي السعودي وما يحمله من قيم وإبداع إلى آفاق أوسع، إلى جانب تعزيز التطوع الثقافي وتوسيع أثره في المجتمع.

تكريم المشاركين وختام الأمسية

وفي ختام اللقاء، كرّم صالون نُبل الثقافي المشاركين في الأمسية؛ الإعلامي عبدالله وافية، والروائية نورة المطيري، والروائية والقاصة آمال الغامدي، والدكتور أحمد القيسي، تقديرًا لمشاركتهم وإسهامهم في إثراء الحوار الأدبي، أعقب ذلك التقاط الصور التذكارية واللقاءات مع المشاركين والحضور.

وبين رسائل تبحث عمّن تصل إليه، وشخصيات تبوح دون انتظار جواب، وأصوات ترى الحكاية من زوايا مختلفة، جاءت أمسية «جدني.. لا تقرأني» لتطرح سؤالًا يتجاوز عنوان الرواية إلى علاقتنا بالآخر: كم من حكاية حكمنا عليها قبل نسمع صوتها الآخر ؟

زر الذهاب إلى الأعلى