بقلم المحامي عبدالله علمنا احترامه واجب

يحل علينا اليوم الوطني، فتكتسي الطرق والميادين والمنازل باللون الأخضر، وترتفع راية المملكة في مشهد يعبر عن الفرح والانتماء والاعتزاز بهذا الوطن. ومن أجمل ما نراه في هذه المناسبة أن يحمل الصغير قبل الكبير علم بلاده، وأن تتزين به الأماكن؛ فهو الرمز الذي يجتمع تحته أبناء الوطن، وتختصر صورته كثيرًا من معاني السيادة والوحدة والانتماء.

لكن هذا المشهد الجميل يدعونا في الوقت نفسه إلى سؤال مهم: هل يكفي أن نرفع العلم تعبيرًا عن حبنا للوطن، أم أن من تمام هذا الحب أن نعرف كيف نحفظ للعلم مكانته ونتعامل معه وفق ما قرره النظام؟

لقد أحاط المنظم السعودي العلم الوطني بأحكام خاصة في نظام العلم للمملكة العربية السعودية، فلم يترك طريقة التعامل معه للاجتهاد أو العرف وحدهما؛ لما يمثله من قيمة وطنية، ولما يحمله من كلمة التوحيد.

ومن أظهر مظاهر هذه العناية ما قررته المادة الثالثة عشرة من عدم جواز تنكيس العلم الوطني، أو العلم الخاص بجلالة الملك، أو أي علم سعودي آخر يحمل الشهادة أو آية قرآنية. وهي خصوصية تليق براية تحمل أعظم كلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وجاءت المادة الرابعة عشرة بحكم ينبغي أن نستحضره خصوصًا في أيام الاحتفالات، فنصت على أنه: «لا يجوز أن يلمس العلم الوطني أو العلم الخاص بجلالة الملك سطحي الأرض والماء». ومن هنا فإن ترك الأعلام تتساقط على الأرض، أو وضعها في مواضع تكون فيها عرضة للدوس أو الامتهان، لا ينسجم مع ما أوجبه النظام من صيانة العلم واحترامه.

ولم يقف النظام عند طريقة رفع العلم، بل نظم أغراض استعماله أيضًا؛ فنصت المادة الخامسة عشرة على عدم جواز استعمال العلم الوطني علامة تجارية، أو لأغراض الدعاية التجارية، أو لأي غرض آخر غير ما نص عليه النظام. وهذه المادة تستحق أن تكون حاضرة لدى المنشآت والأفراد عند إعداد المنتجات والإعلانات والمظاهر المصاحبة للمناسبات الوطنية؛ فالحماس للمناسبة لا يعني أن يصلح العلم لكل استعمال أو كل موضع.

أما المادة السادسة عشرة فقد اعتنت حتى بحالة العلم نفسه، فمنعت رفع العلم الوطني إذا كان باهت اللون أو في حالة سيئة، ونظمت التعامل معه إذا أصبح من القدم بحالة لا تسمح باستعماله. فالاحترام لا يكون في لحظة رفع العلم فقط، وإنما في المحافظة عليه ما دام مرفوعًا، والتعامل معه بعد انتهاء صلاحيته بما يصون مكانته.

وهنا تظهر مسؤولية مهمة في احتفالات اليوم الوطني؛ فالمسؤولية لا تنتهي بانتهاء الاحتفال. من المؤسف أن يرفع الإنسان العلم فرحًا في المساء، ثم يتركه بعد انتهاء المناسبة ملقى في شارع أو ساحة أو موقف سيارة. فالعلم الذي رفعناه حبًا للوطن، أولى بنا أن نصونه بعد انتهاء الاحتفال.

وفي المقابل، من المهم قانونيًا ألا نخلط بين مخالفة بعض ضوابط استعمال العلم وبين جريمة إهانة العلم. فقد أفرد النظام في المادة العشرين حكمًا جزائيًا لمن يسقط أو يعدم أو يهين العلم الوطني أو العلم الملكي أو شعارًا آخر للمملكة، على النحو وبالشروط التي حددتها المادة، ومنها ارتباط الفعل بالكراهة أو الاحتقار لسلطة الحكومة ووقوعه علنًا أو في محل عام أو مفتوح للجمهور. وقرر لذلك عقوبة تصل إلى الحبس مدة لا تتجاوز سنة وغرامة لا تزيد على ثلاثة آلاف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

ومن ثم، فليس صحيحًا أن نصف كل خطأ في استخدام العلم بأنه جريمة إهانة معاقب عليها بالمادة العشرين؛ فالدقة القانونية تقتضي أن نفرق بين مخالفة ضوابط استعمال العلم وبين الجريمة الجزائية التي لا تقوم إلا بتوافر أركانها وشروطها النظامية.

إن اليوم الوطني مناسبة للفرح، ولا ينبغي أن تتحول التوعية بالنظام إلى خطاب يضيّق على الناس فرحتهم، بل العكس؛ فمعرفة أحكام العلم ترتقي باحتفالنا، وتجعل التعبير عن حب الوطن أكثر وعيًا ومسؤولية.

ومن هنا تأتي أهمية دور الأسرة والمدرسة والمنشأة والجهات المجتمعية في نشر هذه الثقافة، ولا سيما بين الأطفال والشباب: أن نعلمهم أن العلم ليس مجرد زينة مرتبطة بمناسبة، وإنما رمز وطن له مكانته وحرمته، وأن احترامه صورة من صور احترام الوطن الذي يمثله.

وفي يومنا الوطني، لنرفع أعلامنا عاليًا، ولنملأ بها مشاهد الفرح، ولنغرس في أبنائنا الاعتزاز برايتهم، ولكن لنتذكر دائمًا أن حب العلم لا يكون بكثرة رفعه وحدها، وإنما بحسن التعامل معه وصيانته وحفظ مكانته.

نحتفل تحت راية الوطن، ومن تمام احتفالنا بها أن نعرف قدرها، ونحفظ مكانتها، ونرفعها كما يليق بها.

فعلمنا رمز وطن.. واحترامه واجب.

بقلم: المحامي عبدالله بن محمد البلوشي
رئيس مجلس إدارة جمعية ميزان القانونية

زر الذهاب إلى الأعلى