لم تحظَ الأسرة في الشريعة الإسلامية بمكانة عارضة، ولم يُنظر إلى الزواج باعتباره علاقة اجتماعية مؤقتة تنعقد بإرادة طرفين وتنتهي متى تبدلت الرغبات؛ بل جعله الله تعالى من آياته، وأقامه على السكن والمودة والرحمة، فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
وحين وصف القرآن العلاقة الزوجية لم يصفها بعقد فحسب، وإنما سماها ميثاقًا غليظًا، فقال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. وهي عبارة تحمل من المعاني ما يجعل الزوجين يدركان أن الزواج مسؤولية وأمانة، وأن القرار بتكوين الأسرة ليس شأنًا فرديًا خالصًا؛ لأن آثاره تمتد إلى الأبناء والأقارب والمجتمع بأسره.
فالأسرة هي المحضن الأول الذي يتلقى فيه الإنسان قيمه، ويتعلم فيه معنى المسؤولية والرحمة والانتماء، ومنها يتشكل جانب كبير من شخصيته. ولهذا كان استقرار الأسرة مصلحة لا تخص الزوجين وحدهما، كما أن اضطرابها وتفككها قد تتجاوز آثارهما طرفي العلاقة إلى أطفال لم يكونوا طرفًا في النزاع، لكنهم قد يكونون أكثر المتأثرين بنتائجه.
الزواج ليس علاقة بلا خلاف.
ومن الخطأ أن نتصور أن الأسرة الناجحة هي الأسرة التي لا يقع بين أفرادها خلاف. فالاختلاف طبيعة بشرية، والحياة الزوجية لا تخلو من تقصير أو سوء فهم أو اختلاف في الطباع والرغبات. ولذلك لم تجعل الشريعة وقوع الخلاف وحده نهايةً للعلاقة الزوجية، وإنما أرشدت إلى الإصلاح، والصبر، والمعاشرة بالمعروف، والنظر إلى مجموع المحاسن وعدم اختزال الإنسان في موقف أو صفة واحدة.
قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
وعندما يتسع الخلاف، تنتقل الشريعة من المعالجة الفردية إلى الإصلاح الأسري، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
فالأصل إذن هو المحافظة على الميثاق ما أمكن، لا المسارعة إلى هدمه عند أول أزمة.
ولكن الشريعة لم تجعل الزواج سجنًا.
وفي المقابل، فإن الدعوة إلى المحافظة على الأسرة لا تعني إبقاء زوج أو زوجة في علاقة أصبح استمرارها ضررًا محققًا أو تعذرت معها مقاصد الزواج.
وهنا يظهر التوازن الدقيق في الشريعة؛ فهي تحمي بقاء الأسرة، وتحمي في الوقت نفسه أفراد الأسرة من الضرر.
ولهذا شرعت الفرقة عند الحاجة، وتعددت طرقها وأسبابها وأحكامها. وجاء نظام الأحوال الشخصية السعودي موافقًا لهذا البناء؛ فخصص الباب الثالث للفرقة بين الزوجين، ونظم بصورة مستقلة أحكام الطلاق والخلع وفسخ عقد الزواج، ثم نظم في الباب الرابع آثار الفرقة، ومنها العدة والحضانة.
وهذا التفريق مهم؛ لأن الطلاق ليس هو الخلع، والخلع ليس هو الفسخ، ولكل منها طبيعته وأسبابه وآثاره وأحكامه.
«من غير ما بأس»… عبارة تستحق أن نتوقف عندها
ومن النصوص العظيمة في هذا الباب قول النبي ﷺ: «أيما امرأة سألت زوجها طلاقًا من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة».
واللافت في الحديث أنه لم يمنع المرأة من طلب إنهاء العلاقة مطلقًا، وإنما جاء الوعيد متعلقًا بطلب الطلاق «من غير ما بأس».
وهنا ينبغي أن يكون الخطاب الأسري منضبطًا؛ فلا يصح أن تستخدم النصوص الشرعية لإجبار المرأة على تحمل الضرر، كما لا يصح أن يتحول الطلاق أو الخلع إلى قرار متعجل بسبب خلاف عابر أو غضب مؤقت أو مقارنة بحياة الآخرين.
والبأس لا ينحصر في صورة واحدة؛ فقد يكون ضررًا معتبرًا، أو سوء عشرة يتعذر معه استمرار الحياة الزوجية، أو إخلالًا بالحقوق، أو غير ذلك من الأسباب التي تبلغ حدًا يجعل استمرار الحياة الزوجية متعذرًا أو شديد المشقة بحسب الأحوال.
ولهذا فإن السؤال الصحيح قبل إنهاء الأسرة ليس: هل وقع بيننا خلاف؟ فكل البيوت تقريبًا تعرف الخلاف. وإنما: هل بلغ الخلاف حدًا يجعل استمرار الحياة الزوجية متعذرًا؟ وهل استنفدت وسائل الإصلاح الممكنة؟
بين حق الفرقة وخطورة التسرع فيها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الثقافة الاجتماعية هو الانتقال من طرف إلى طرف: من ثقافة كانت تنظر إلى الطلاق باعتباره عيبًا ينبغي منعه ولو وجد الضرر، إلى ثقافة أخرى قد تتعامل مع إنهاء الزواج باعتباره أول الحلول.
وكلا التصورين يحتاج إلى تصحيح.
فالطلاق والخلع والفسخ حلول شرعية ونظامية حقيقية عند تحقق أسبابها، ولكن وجود المخرج لا يعني أن يكون أول الطريق.
وعند وجود الأبناء تتضاعف المسؤولية؛ لأن قرار الزوجين لا تبقى آثاره محصورة فيهما. فالطفل يحتاج إلى أبيه وأمه، وحتى عندما تصبح الفرقة هي الحل الأنسب، تبقى الأبوة والأمومة قائمتين، ولا يجوز أن يتحول الخلاف بين الزوجين السابقين إلى صراع يكون الأطفال أدواته وضحاياه.
الأسرة في مواجهة التحولات المعاصرة.
وتواجه الأسرة اليوم تحديات لم تكن بهذه الصورة قبل عقود. فوسائل التواصل فتحت البيوت على أنماط متعددة من الأفكار والسلوكيات، وأصبحت المقارنة بحياة الآخرين مستمرة، كما قد تُقدَّم الفردانية المطلقة أحيانًا على الالتزام والمسؤولية والتضحية التي لا تستقيم أسرة من دونها.
ولا يحتاج الأمر إلى بناء خطاب يقوم على نظريات المؤامرة حتى ندرك أن إضعاف الأسرة ينعكس على المجتمع كله؛ فالأسرة هي المؤسسة الأولى التي تنقل الدين والقيم واللغة والهوية والانتماء بين الأجيال. وكل مجتمع يريد المحافظة على تماسكه لا بد أن يجعل حماية الأسرة واستقرارهاأولوية.
وفي المجتمع المسلم تزداد هذه الأهمية؛ لأن الأسرة ليست مجرد ترتيب اجتماعي، وإنما ترتبط بمنظومة كاملة من الأحكام الشرعية: الزواج، والنسب، والنفقة، والحضانة، والولاية، والوصية، والميراث. ولهذا جاء نظام الأحوال الشخصية في (252) مادة لينظم جانبًا واسعًا من هذه العلاقاتوالحقوق.
الوعي قبل النزاع.
ومن هنا تبرز أهمية نشر الثقافة القانونية الأسرية قبل وقوع النزاع، لا بعده فقط. فالزوج الذي يعرف حقوق زوجته وواجباته تجاهها، والزوجة التي تعرف حقوق زوجها وواجباتها تجاهه، والأبوان اللذان يدركان أن مصلحة الطفل مقدمة على تصفية الحسابات الشخصية؛ أقرب إلى بناء أسرة مستقرة من أسرة لا تعرف النظام إلا عند الوصول إلى المحكمة.
كما أن معرفة الفرق بين الطلاق والخلع والفسخ، وأحكام النفقة والحضانة وآثار الفرقة، قد تمنع قرارات خاطئة يتخذها الإنسان في لحظة غضب ثم يعيش آثارها سنوات.
لقد أقامت الشريعة العلاقة الزوجية بين أصلين عظيمين: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. فلا يكون الإمساك وسيلة للإضرار، ولا تكون الفرقة وسيلة للانتقام.
وبين الميثاق الغليظ والفرقة مساحة واسعة اسمها: المودة، والرحمة، والصبر، والحوار، والإصلاح، وأداء الحقوق، والتغاضي عن الزلات.
فإذا أمكن إصلاح الأسرة، كان الإصلاح أولى. وإذا تعذر استمرارها وأصبحت الفرقة هي الطريق المشروع، فلتكن فرقة تحفظ الكرامة والحقوق، وتحمي الأبناء، ولا تحول ما كان يومًا مودة ورحمة إلى خصومة لا تنتهي.
فحماية الأسرة لا تعني منع الفرقة مطلقًا، كما أن إباحة الفرقة لا تعني التهوين من شأن الميثاق الغليظ. وبين هذين المعنيين يظهر جمال التوازن الذي جاءت به الشريعة، ونظمته أحكام نظام الأحوال الشخصية.
كتبه المحامي/ عبدالله بن محمد البلوشي
رئيس مجلس إدارة جمعية ميزان القانونية
