بتول الفهاد
في مساءٍ استثنائي لم تكن الألوان فيه مجرد ألوان ولا اللوحات مجرد أعمال فنية معلّقة على الجدران كانت هناك حكايات تُروى بصمت وقلوب تقول الكثير دون أن تنطق بكلمة.
هكذا جاءت فعالية (الريشة الصامتة )التي احتضنتها قاعة مكتب مدينتي المعذر مساء اليوم في تجربة فنية وإنسانية لافتة احتفت بإبداعات الأشخاص الصم وضعاف السمع وقدّمت الفن بوصفه لغةً تتجاوز حدود الصوت وتصل مباشرة إلى العين والقلب ما رأيناه لم يكن جمال لوحات فحسب كان جمال إبداع وجمال أشخاص وجمال قصص تقف خلف كل عمل فني.
فخلف كل شخص وخلف كل عائلة قصة تلامس القلب قصة تحدٍّ وإصرار ومحاولات لصناعة الحياة بطريقة مختلفة حتى أصبح التعايش مع الواقع بدايةً للإنجاز لا نهايةً للطموح.
هناك من يتواصل بلغة الإشارة وهناك من يختار الريشة لتكون صوته وهناك من يترك للألوان مهمة التعبير عمّا تختزنه الروح. وفي كل لوحة كانت ثمة رسالة صامتة تقول إن الاختلاف في طريقة التواصل لا يعني أبداً اختلافاً في القدرة على الحلم والإبداع.
وكان لافتاً حضور عدد من مدربي ومدربات لغة الإشارة ومن بينهم المدرب سعود الفالح مؤسس ورئيس تعليم الصم ولغة الإشارة في حضور يعكس أهمية لغة الإشارة كجسر للتواصل ويؤكد أن تمكين الأشخاص الصم وضعاف السمع يبدأ من فهم لغتهم واحترام تجاربهم وفتح المساحات أمام مواهبهم.
ولم تكن (الريشة الصامتة )معرضاً يكتفي بعرض الأعمال بل كانت مساحة للتأمل في الإنسان قبل الفن.
مساحة اكتشف فيها الزائر أن وراء كل لوحة تجربة ووراء كل لون شعوراً ووراء كل ابتسامة رحلة ربما لم تكن سهلة.
وفي هذا المشهد الإنساني الجميل شاركت الدكتورة منال الرويشد بحضورها افتتاح المعرض اليوم في حضور يعبّر عن التقدير لمثل هذه المبادرات التي تمنح الفن الإنساني مكانته وتفتح نوافذ الضوء أمام المواهب التي تستحق أن تُرى وتُحتفى بها.
وشهدت الفعالية كذلك تكريم (مدينتي المعذر ) لعدد من الموجودين والمساهمين تقديراً لعطائهم وحضورهم ودورهم في دعم هذه التجربة في لفتة تؤكد أن تكريم المبدع لا يقل جمالاً عن إبداعه وأن المبادرات المجتمعية تصبح أكثر أثراً حين تقترن بالتقدير والاحتفاء.
ويُثمّن كذلك للأستاذ سعود الشايب اهتمامه بمثل هذه المبادرات وحرصه عليها ودعمه للمشهد الذي يجمع الفن بالمجتمع والإنسان بما يعكس إيماناً بأن منح الموهوبين فرصة الظهور ليس ترفاً بل مسؤولية تصنع فرقاً حقيقياً.
في (الريشة الصامتة ) انتقلنا من جمال اللوحة إلى جمال الحكاية ومن تفاصيل الألوان إلى تفاصيل الإنسان لنكتشف أن الصمت ليس غياباً للصوت بل قد يكون لغةً كاملة إذا امتلك صاحبها الشغف والإصرار والمساحة التي تسمح له بأن يقول: أنا أستطيع.
ولعل أجمل ما يمكن أن نغادر به هذا المعرض هو أن خلف كل لوحة هنا إنساناً تحدّى وعائلةً ساندت وحلماً أصرّ على أن يرى النور.
فالريشة قد تكون صامتة
لكنها اليوم قالت الكثير









