الجزء الثالث والأخير
المسقي.. رجالها وذاكرة الوطن
إذا كانت المسقي قد بنت بيوتها من الحجر، فقد بنت مجتمعها على التكافل وعرفت كيف تحفظ أمنها وتصون مواردها وتؤدي واجبها حين احتاج الوطن إلى أبنائها.
* أعراف تحفظ الأمن
قبل العهد السعودي كانت للمسقي أعراف تنظم حياة الناس؛ لكل (بدن )قبيل، ولكل قبيلة مجلس للنظر في الخلافات وإتمام الصلح، كما كان رجال يتولون الحراسة ليلًا، وعُرفت المحبسة لمن يخالف الأعراف.
وشملت هذه القواعد حماية الأشجار وتنظيم الرعي والمراعي والحمى، حتى جاءت الدولة الحديثة بأنظمتها ومؤسساتها، فتولت مسؤولية الأمن والقضاء والتنظيم.
* رجال حملوا اسم المسقي
يحفظ تاريخ القرية أسماء رجال كان لهم أثر فيها، منهم فايع أبو معطوف ، وحسين بن زبران وأحمد بن عواض ويبرز بينهم شخصية قوية الشيخ مشبب الذيب، شيخ قبيلة المسقي.
وتروي الذاكرة المحلية أنه أسهم في حفظ الأمن وتنظيم شؤون الأهالي وخدمة الدولة، كما كان حاضرًا في أوقات الأزمات؛ ففي عام من أعوام الجفاف وصلت إلى القرية كميات من الحبوب، ووزعت على الأهالي بحسب حاجتهم وقدرتهم.
* التجارة والتعليم.. أبواب إلى الخارج
لم يقتصر نشاط أبناء المسقي على الزراعة والتجارة داخل القرية بل امتد إلى أبها وخميس مشيط ومناطق أخرى.
ومن الأسماء التي ترد في الرواية خالد الحسن، الذي انتقل من بيئة القرية إلى العمل الإداري، في صورة تعكس دور التعليم في فتح الطريق أمام أبناء المسقي إلى مؤسسات الدولة.
كما أسهم عدد من التجار في نقل السلع وتوفير احتياجات المنطقة والمساجد والمرافق.
* المسقي وتوحيد المملكة
حين بدأت حملات توحيد المملكة، شارك 14 غازيًا من أهل المسقي في عدد من الحملات .
وكان الأهالي يشاركون في تجهيز الرجال بالمؤن ولم يكن الدعم مقتصرًا على الرجال ، فقد أسهمت التاجرة نالة في توفير المواد الغذائية وإيصال المؤن إلى المشاركين في نجران خلال غزوة باقم
* الصُخري.. خدمة الدولة بما يملكون
عرف أهل المسقي «الصُخري»، أي تسخير الجمال والدواب لخدمة الدولة، لنقل الزكاة والمؤن والمرضى والمسؤولين بين المناطق.
وكانت هذه الدواب تصل إلى بارق ومحايل وغيرها، كما أسهم الأهالي في نقل المرضى من تهامة إلى أبها.
وهكذا كان ما يملكه الإنسان وسيلة لخدمة مجتمعه ودولته.
* طريق القوافل والحجاج
كان موقع المسقي يجعلها محطة للمسافرين والقوافل وتروي الذاكرة المحلية مرور بعض الحجاج القادمين من الهند وباكستان عبر طريق اليمن.
وكانت المنزالة في المساجد تستقبل المسافرين، وتحفظ الذاكرة قصة حاج هندي مرض فتولت إحدى نساء المسقي رعايته حتى توفي، ودُفن في مقبرة الغرباء.
* المقابر.. ذاكرة صامتة
تحيط بالمسقي مقابر متعددة ارتبط بعضها بالبدن والأسر، فيما حملت مقبرة الغرباء اسمها لدفن من ماتوا في القرية من غير أهلها.
وتبقى هذه المقابر جزءًا من الخريطة التاريخية للمكان، تحفظ أسماء أجيال عاشت هنا وأخرى مرت بها.
* حين بدأ الحجر يستعيد ذاكرته
بدأت جهود إعادة تأهيل المسقي قبل نحو سبع أو ثماني سنوات، وكان الشيخ سعيد بن مشبب الذيب – رحمه الله من أبرز من أسهموا فيها، وبذل من ماله لخدمة القرية.
ثم شُكلت لجنة برئاسة عبدالعزيز الذيب وبمشاركة أهل القرية وبدأ العمل بفتح الطرق وإعادة تأهيل بعض البيوت.
ومع تسجيل المسقي ضمن المواقع التراثية اتسعت جهود التطوير بمشاركة هيئة تطوير عسير وجامعة الملك خالد،لتستمر الدراسات والزيارات الميدانية تمهيدًا لمراحل تطوير تحفظ هوية القرية.
والتحدي الحقيقي ، أن نعيد الحياة إلى المكان دون أن نفقد ذاكرته.
* المسقي.. من ذاكرة الأمس إلى مستقبل الغد
ثلاثة أشياء دفعتني إلى الكتابة عن المسقي:
صورة أحببتها، وشعور لم أعرف له اسمًا، ورواية كشفت لي ما وراء الصورة.
بدأت الحكاية من زياراتي وصوري، ثم جاء لقاء موسوعة كيوبيديا العالمية مع الأستاذ أحمد بن عبدالرحمن العريسي، ليمنحني المادة التي كنت أبحث عنها،
أما المسقي، فقد جعلتني أبحث عن الإنسان خلف الحجر فوجدت الفلاح، والتاجر، والمرأة، والشيخ، والغازي، والطفل الذي بدأ تعليمه في المسجد.
لهذا لا أرى المسقي مجرد قرية تراثية بل وثيقة حية تحكي كيف عاش الإنسان وكيف تعاون وكيف أسهم في بناء وطنه.
فلا يكفي أن نحفظ حجارة المسقي؛
علينا أن نحفظ الحكايات التي جعلت لهذه الحجارة معنى.
* وفي الختام.. ما زالت المسقي تحكي
لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر لكل من كان له فضل في أن ترى هذه الحكاية النور؛ للأستاذ فيصل بدوي الذي أشار عليّ بالكتابة وأوصل إليّ مادة اللقاء، وللأستاذ جلعود بن دخيل، المشرف العام على موسوعة كيوبيديا العالمية، على هذا اللقاء الذي فتح لي بابًا إلى ذاكرة المسقي، وللأستاذ أحمد بن عبدالرحمن العريسي، المرشد السياحي والموثق للقرية، على ما حمله حديثه من تفاصيل وذاكرة تستحق أن تُحفظ.
أما أنا، فما زلت شغوفة بتاريخ المسقي، وما زال في داخلي ذلك السؤال الذي رافقني منذ زياراتي الأولى
ولعل هذه ليست نهاية الحكاية .









