«وطنٌ من الألم… وغربةُ الفرح» بقلم الأستاذ / منهال الجلواح

في داخل كل إنسان مساحة لا يراها الآخرون؛ مساحة تشبه الوطن لكنها مبنية من طبقات طويلة من الألم.
نعود إليها كلما ضاقت الحياة، كأنها المكان الوحيد الذي يعرف تفاصيلنا، ويحتفظ بملامح ضعفنا، ويستقبلنا دون أسئلة.
ومع الوقت، يصبح هذا الوطن الحزين مألوفًا حدّ الاعتماد، فنخاف الخروج منه، ونرتبك أمام أي ضوءٍ يطرق أبوابنا.وعندما يقترب الفرح، نشعر كأننا نغادر أرضًا اعتدناها إلى غربةٍ لا نعرف لغتها.
نبتسم بتردّد، ونفرح بحذر، ونستقبل اللحظات الجميلة كأنها زائرٌ غريب لا نعرف إن كان سيبقى أم سيرحل سريعًا كما يفعل كل شيء جميل في حياتنا.لكن الإنسان لم يُخلق ليعيش في وطنٍ من الألم، ولا ليظل غريبًا عن الفرح.
هناك دائمًا طريقٌ صغير، يبدأ بابتسامة، بصحبةٍ خفيفة، أو بخطوة نحو حياةٍ تستحق أن تُعاش.
(اعتياد الحزن… حين يصبح الألم منطقة آمنة)

علم النفس يسمّي هذه الحالة بـ «اعتياد الحزن»؛ وهي حالة يتكيّف فيها الإنسان مع الألم حتى يصبح مألوفًا أكثر من الفرح.
وفي دراسة لجامعة Stanford عام 2022، تبيّن أن الأشخاص الذين يمرّون بفترات طويلة من الضغط أو الوحدة يطوّرون حساسية تجاه المشاعر الإيجابية، فيشعرون بالقلق عند حدوث شيء جميل لأن أدمغتهم لم تعد تملك ذاكرة كافية للفرح.عوامل تكوّن هذا الوطن الحزين
(الأسرة)
دراسة منشورة في Journal of Family Psychology توضّح أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئات عالية التوتر أو النقد يصبحون أكثر عرضة لاعتياد الحزن في حياتهم البالغة، لأنهم يربطون الأمان بالهدوء السلبي لا بالبهجة.
(العلاقات)
العلاقات التي تُطفئ الإنسان بدل أن تشعله تخلق نمطًا داخليًا يعتبر الفرح خطرًا، لأن كل محاولة للفرح كانت تُقابل بخيبة أو انسحاب أو تجاهل.
(الضغوط اليومية)
تقرير لمنظمة الصحة العالمية عام 2023 يشير إلى أن الإرهاق المزمن يجعل الإنسان أقل قدرة على استقبال المشاعر الإيجابية، ويزيد من شعوره بأن الفرح غير مستحق.
هذه العوامل تجعل الإنسان يبتسم وهو خائف، ويستقبل الخبر السعيد وهو متردد، ويشعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث… لأن الطبيعي بالنسبة له كان الحزن.
(الآثار المدمّرة لاعتياد الحزن) انخفاض تقدير الذات
دراسة من American Psychological Association تؤكد أن اعتياد الحزن يخلق نظرة سلبية للذات ويقلّل من شعور الإنسان بأنه جدير بالحب أو النجاح.
(العزلة الاجتماعية)
الإنسان المعتاد على الحزن ينسحب من الناس لأنه يظن أن وجوده عبء، أو أن الفرح الذي يراه عند الآخرين لا يشبهه.
(تشوّه البوصلة العاطفية)
يصبح غير قادر على التمييز بين ما يستحق أن يُفرح وما لا يستحق، فيتعامل مع الفرح كحدث مريب، ومع الحزن كحالة طبيعية.
(كيف نغادر وطن الألم؟)
الخروج من اعتياد الحزن ليس قرارًا واحدًا، بل سلسلة خطوات صغيرة تعيد الإنسان إلى الحياة:
(مخالطة الأشخاص الذين يضحكون بصدق)
دراسة من جامعة Michigan عام 2021 أثبتت أن الضحك الجماعي يرفع هرمون السعادة بنسبة 30%، ويعيد تدريب الدماغ على استقبال المشاعر الإيجابية.
(الاقتراب من الأشخاص الإيجابيين )
علم الاجتماع يؤكد أن وجود شخص متفائل في الدائرة القريبة يقلّل من احتمالات الانسحاب النفسي بنسبة 40%.
(إعادة تعريف الفرح )
الفرح ليس حدثًا كبيرًا، بل تفاصيل صغيرة: فنجان قهوة، ضحكة عابرة، رسالة لطيفة، أو صباح بلا ضوضاء.
(العودة التدريجية للحياة)
ليس المطلوب أن تصبح شخصًا مختلفًا بين ليلة وضحاها، بل أن تسمح لنفسك بأن تعيش لحظة جميلة دون خوف.
(همسة أخيره)
الألم قد يكون وطنًا… لكنه ليس الوطن الذي يستحق أن نسكنه ونعيش في زواياه.
والفرح قد يبدو غربة… لكنه الغربة التي خُلقنا لنعود إليها، ونتعلّم لغتها، ونسمح لها أن تعيد تشكيل قلوبنا من جديد.
اسمح لنفسك أن تضحك، أن تختلط بالناس الذين يرفعون روحك، أن تعيش يومًا خفيفًا دون خوف.
فأنت تستحق حياة لا تشبه الألم، وتستحق قلبًا يعرف الفرح كما عرف الحزن.

منهال الجلواح
مستشار تدريب وتطوير
المملكة العربية السعودية

زر الذهاب إلى الأعلى