ليست عودة المعلمين والمعلمات إلى مدارسهم مجرد موعد يتكرر كل عام، ولا مشهدًا روتينيًا يستعيده التقويم الدراسي في بدايته، وليست ممارسةً لمهنة اعتادها الناس حتى ظن بعضهم أنها من أكثر المهن رفاهية وأقلها مشقة.
إنها عودة أصحاب رسالة، وعودة من يحملون على عاتقهم مسؤولية بناء الإنسان قبل بناء المعرفة.
حين يعود المعلم إلى فصله، فهو لا يعود إلى سبورة وكتب ومنهج فحسب؛ بل يعود إلى عشرات الأرواح التي تنتظر منه كلمة، وتوجيهًا، وقدوة، ومساحة آمنة تتعلم فيها كيف تفكر، وكيف تحلم، وكيف تخطئ ثم تنهض من جديد.
المعلم لا يصنع طالبًا متفوقًا في الاختبار فقط، بل يسهم في صناعة طبيب يعالج الناس، ومهندس يبني، وقاضٍ يعدل، وكاتب يعبّر، وباحث يكتشف، وقائد يتحمل المسؤولية. وكل مهنة نحتفي بأصحابها اليوم، تقف خلفها في بداياتها يد معلم، وصوت معلمة، ودفتر صححته عينان متعبتان، وكلمة تشجيع ربما غيّرت حياة إنسان إلى الأبد.
ومن منظور علمي وتربوي، لم يعد دور المعلم مقتصرًا على نقل المعلومات؛ فالتعليم الحديث يؤكد أهمية المعلم في بناء التفكير النقدي، وتنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية، وتحفيز الدافعية، ومساعدة المتعلم على اكتساب القدرة على التعلم المستمر. ومع التحولات التقنية والذكاء الاصطناعي، لم تتراجع قيمة المعلم، بل تغيرت طبيعة دوره وأصبح أكثر أهمية في توجيه الطالب نحو التحقق، والتحليل، والاستخدام المسؤول للمعرفة والتقنية.
فالآلة تستطيع أن تقدم إجابة، لكنها لا تعرف دائمًا متى يحتاج الطالب إلى كلمة ثقة.
والمنصة تستطيع أن تعرض درسًا، لكنها لا ترى انكسار طفل في عينيه.
والتقنية تستطيع أن تجمع المعلومات، لكنها لا تمنح الإنسان بالضرورة قيم الرحمة والانضباط والأمانة والمسؤولية.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية للمعلم.
إنه الإنسان الذي يرى ما وراء الدرجات، ويقرأ ما بين السطور، ويكتشف الطالب الذي يخفي موهبته خلف الخجل، والذي يخفي تعبه خلف الصمت، والذي يحتاج إلى من يؤمن به قبل أن يؤمن بنفسه.
ولذلك فإن اختزال مهنة التعليم في عدد ساعات الحضور، أو النظر إلى الإجازات بوصفها دليلًا على الرفاهية، قراءة سطحية لمهنة شديدة التعقيد. فالمعلم يعمل داخل الفصل، لكنه يعمل كذلك في التخطيط والإعداد والتقويم والمتابعة والتواصل وبناء الخطط ومعالجة الفروق الفردية ومواكبة الأنظمة والمنصات والتقنيات المتغيرة.
أما الإجازة التي يراها البعض راحة خالصة، فهي في حياة كثير من المعلمين امتداد طبيعي لدورة مهنية طويلة من الاستنزاف الذهني والعاطفي والمسؤولية اليومية.
ولعل أكثر ما يؤلم المعلم ليس أن يُطلب منه المزيد، فهو اعتاد العطاء، وإنما أن يُختزل عطاؤه في صورة نمطية لا ترى إلا الظاهر، وتغفل ما وراءه.
المعلم لا يطلب تقديس مهنته، ولا يريد إعفاءه من المساءلة أو التطوير؛ بل يريد فقط أن تُرى المهنة كما هي: مهنة إنسانية شاقة، تتطلب علمًا وصبرًا وحضورًا نفسيًا وقدرة على التعامل مع اختلاف العقول والطباع والظروف.
إننا حين نكرّم المعلم، لا نكرّم فردًا بعينه فحسب، بل نكرّم الجسر الذي عبرت عليه أجيال كاملة من الجهل إلى المعرفة، ومن التردد إلى الثقة، ومن الحلم إلى الإنجاز.
ولذلك كان ارتباط التعليم برسالات الأنبياء من أجمل المعاني التي تعبّر عن شرف هذه المهنة؛ فجوهر الرسالات بناء الإنسان وتعليمه وهدايته وإخراجه من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة والبصيرة.
والمعلم، حين يؤدي رسالته بإخلاص، يواصل جانبًا من هذا المعنى النبيل: يعلّم، ويرشد، ويهذب، ويبني، ويترك أثرًا قد لا يرى نتيجته اليوم، لكنه قد يراها بعد سنوات في إنسان أصبح أفضل بسبب كلمة قالها ذات يوم.
فيا من ترون عودة المعلمين والمعلمات مجرد بداية لعام دراسي جديد، انظروا إليها بعين أخرى.
إنها عودة الأمهات والآباء إلى ميدان آخر من ميادين التربية.
عودة من يحملون أحلام أبنائنا وبناتنا معهم إلى الفصول.
عودة من سيقفون كل صباح أمام أجيال لم تكتمل ملامح مستقبلها بعد، وسيحاولون أن يمنحوها من العلم والوعي والثقة ما يساعدها على صناعة ذلك المستقبل.
إن عودة المعلم ليست عودة إلى وظيفة…
إنها عودة إلى رسالة.
وكل عام يعود فيه المعلم إلى فصله، يعود معه شيء من مستقبل الوطن؛ لأن الأوطان لا تُبنى بالخرسانة وحدها، ولا بالاقتصاد والتقنية فقط، وإنما تُبنى أولًا بالإنسان.
والمعلم هو أحد الذين يصنعون هذا الإنسان.
فليكن استقبال عودتهم امتنانًا لا استهانة، وتقديرًا لا مقارنة، وثقةً لا تشكيكًا.
فمن حق من علّمنا كيف نقرأ العالم أن يجد في أعيننا قراءةً منصفة لقيمة ما يفعل.
ومن حق من أمسك أيدينا في أول الطريق أن نمد له، مع بداية كل عام دراسي، كلمة واحدة تليق برسالته:
عودًا حميدًا يا صُنّاع الأجيال… يا من تحملون رسالةً لا تنتهي بانتهاء الحصة، ولا تُقاس بساعات الدوام، لأن أثرها قد يمتد إلى عمر إنسان كامل..
بقلم : فاطمة الجباري
