في اللقاء الشهري لنادي وسم الثقافي، قدّم الأستاذ أمين شحود، كاتب مقالاتٍ وناشط ثقافي، أمسيةً بعنوان “افتراضات مسبقة”. بدأ فيها بتعريفٍ بسيطٍ لمعاني (استنتاج، وافتراض، ومعلومة، ومسبقة)، ليصل إلى مفهوم الافتراضات المسبقة، بوصفها آليةً ذهنيةً يعتمد عليها العقل لتسهيل التواصل. كما شرح بأسلوبٍ سلسٍ كيف يختصر العقل البشري المجهود، ليكمل النقص في المعلومة عبر افتراض حقائق سابقة. وخلال حديثه، ساق أمثلةً متنوعةً للافتراضات المسبقة، تراوحت بين اليومية والسطحية.
وانتهى اللقاء، لكنّ الحكاية في عقلي لم تنتهِ، بل بدأت تنسج خيوطها في كل الاتجاهات؛ إذ تبادرت إلى ذهني أسئلة متنوعة: كيف تتسبّب الافتراضات المسبقة في سوء الفهم بين الناس؟ وكيف نصنع منها “سيناريوهات كاملة” في أذهاننا؟
قد يجهل البعض مدى خطورة هذه الافتراضات على حياتنا وعلاقاتنا، لاسيما تلك الفئة من الناس التي تعتمد عليها بكثرة في اتخاذ القرارات وإطلاق الأحكام، وقد تتفاوت خطورتها بتفاوت نوعها وسياقاتها. فهناك افتراضات سطحية قد نقع فيها يوميًّا، من أهمّها:
– الاعتماد على الانطباع الأول: مثل المظهر وطريقة الكلام ولغة الجسد. فالشخص الهادئ ليس بالضرورة أنْ يكون بلا رأي أو مشاعر، ومن يرتدي ملابس بسيطة لا يعني أنه بسيط الحال، بل قد يكون هذا هو الخيار المفضل لديه والمريح له.
– الملامح الحادة: قد تخفي الملامح الجادة أو القاسية قلبًا طيبًا وهشًّا، لا يحتمل أن نكسره بافتراض مسبق أنه شخصية معقدة ويصعب التعامل معها.
– الحياة المستعارة خلف الشاشات: الحياة الشخصية للأفراد على مواقع التواصل الاجتماعي ليست واقعية بالكامل، فمن ينشر مقاطع رحلاته وتجواله أو غيرها لا يعني أنّ حياته كلها مرح وسعادة. نحن نرى الجزء المضيء من القمر فقط، بينما هو يمارس عملًا أو جانبًا واحدًا من شخصيته أمام الكاميرا، ويخفي الجزء المظلم من حياته بينه وبين نفسه.
من جانبٍ آخر، ثمّة افتراضات مسبقة تعيق التواصل الإنساني وتدمره مباشرة، ولعلّ أبرزها:
– قراءة العقول: قد نزعم أنّ باستطاعتنا قراءة الأفكار بناءً على أفعال الطرف الآخر، ونبني ردود أفعالنا دون أن نطلب منه توضيحًا مباشرًا.
– التطابق الكامل: قد نعتقد أنّ طريقة التحليل، والتعبير عن المشاعر، ووجهات النظر متطابقة لدى الجميع، وبالتالي ننتظر نفس ردود الأفعال. فالكتاب الذي غيّر حياتنا، على سبيل المثال، ربما لن يغير حياتهم تلقائيًّا.
وبين هذا وذاك، تبقى الافتراضات المسبقة المتعلقة بتشويه السمعة أخلاقيًّا أو مهنيًّا هي الأكثر خطورةً على الفرد والمجتمع. فهي ليست مجرد افتراضات لحظية عابرة، بل قد تؤدي إلى قطع الأرحام أو تدمير الأفراد وتغيير سلوكياتهم إلى الأسوأ.
ختامًا، الافتراضات المسبقة جزءٌ لا يتجزأ من التفكير البشري، لكنها تحتاج إلى التفكيك والتريث قبل أن نبني عليها أحكامًا مطلقة. كما يجب الاعتماد على السؤال المباشر والواضح، وتوحيد المفاهيم والمساحات قبل بدء الحوار، ثمّ تأخير رد الفعل ومنح العقل فرصته لتهدئة الاستجابة السريعة المبنية على الانطباع الأول.
لذلك، وتجنّبًا للوقوع في فخّ سوء الفهم أو إلحاق الأذى بالغير، عندما يوجّه إليك سؤال أو تُطرح عليك فكرة، اسأل نفسك قبل أن تجيب: ما الذي افترضته مسبقًا؟ هل جوابي معتمد على حقائق واقعية أم افتراضات في ذهني؟
