عبر تاريخ التلقي الفني، وفي مختلف أشكال الفنون من السينما إلى المسرح والرواية والأغنية، ظلّ يتكرّس تقسيم مألوف: فن نخبوي، وفن جماهيري.
انقسمت الآراء حول هذا التصنيف بين مؤيد يرى فيه توصيفًا لطبيعة التلقي، ومعارض يرفضه لما يحمله من إيحاءات بالفوقية، وكأن النخبة جماعة معزولة عن بقية البشر، لا يحق لغيرها الاقتراب من عوالم معينة من الفن.
لكن، إذا عدنا إلى أصل المصطلح، وجدنا أن “النخبة” لا تشير في جوهرها إلى استحقاق إنساني خاص، بقدر ما تشير إلى الاختيار والانتقاء. غير أن الاستخدام الثقافي المعاصر حمّلها معنى الإقصاء، فصار العمل الفني يُصنّف أحيانًا بوصفه موجّهًا لفئة دون أخرى، وكأن الذائقة حكرٌ على من وُلدوا بامتياز معرفي ما.
تخيّل أن تقف أمام دار سينما وتقرأ عبارة:
“هذا الفيلم للنخبة فقط”.
قد تشعر بالاستفزاز، وربما بالفضول، وربما تتساءل: لماذا ليس لي؟
فتدخل لتجد نفسك أمام أفكار أو مصطلحات لم تعهدها، بينما يندمج آخرون في التجربة بسلاسة. في تلك اللحظة يبدو الفارق عميقًا، لكنه غالبًا ليس سوى فارق اهتمام وتراكم معرفي. هم قرأوا من قبل، وأنت لم تفعل لا لعجز، بل لأن هذه المسارات لم تكن ضمن خياراتك.
إن الاهتمام هو المفتاح الخفي لتشكّل الذائقة.
من يهتم بشعر رباعيات عمر الخيام سيجد نفسه — على الأرجح — يتذوق الأغنية التي شدت بها أم كلثوم تلك الروح الفلسفية المتأملة.
ومن ينشغل بعبثية الوجود الإنساني قد يجد نفسه مأخوذًا بمشاهدة مسرحية في انتظار جودو لكاتبها صمويل بيكت، حيث يتحول الانتظار إلى استعارة للعدم والمعنى المؤجل.
ليس لأن هؤلاء المتلقين وُلدوا بقدرة خاصة، بل لأنهم ساروا في مسارات اهتمام قادتهم إلى هذا التلقي.
وهنا نقطة جوهرية:
الاهتمام ليس صفة جينية، ولا امتيازًا يولد مع الإنسان. إنه اختيار.
قرار واعٍ أو شبه واعٍ بأن تقرأ، وأن تبحث، وأن تسأل.
يمكن أن يولد شقيقان في البيئة ذاتها، ويتشاركا التربية والفرص، ثم تتباين مساراتهما. أحدهما تمتلئ مكتبته بكتب الفلسفة الوجودية، والآخر لا يجد نفسه معنيًا بها. وعندما يجلسان لمشاهدة فيلم للمخرج إنغمار بيرغمان، قد ينغمس أحدهما في طبقاته الرمزية بينما يراه الآخر تجربة باردة أو غامضة.
هل يعني ذلك أن أفلام بيرغمان للنخبة فقط؟
أم أن أحدهما اختار — عبر سنوات — أن يبني مفاتيح الدخول إلى هذا العالم، بينما لم يختر الآخر ذلك الطريق؟
في عصرنا الحالي، لم تعد المعرفة حكرًا على أحد. الكتب، المسرحيات، الأفلام، الموسيقى كلها متاحة بضغطة زر. ومع ذلك يبقى الفارق قائمًا بين من يقرر أن يقترب، ومن يكتفي بالمشاهدة العابرة. الاهتمام هنا ليس موهبة موروثة، بل مسار يُصنع بالفضول والاستكشاف.
لعل الإشكال إذًا ليس في الفن ذاته، بل في اللغة التي نصفه بها.
حين نقول “فن نخبوي”، قد نغلق الأبواب رمزيًا أمام من لم يطرقها بعد. أما إذا قلنا “فن للمهتمين”، فإننا نعيد تعريف العلاقة: الباب مفتوح، والدخول مرهون بالرغبة في العبور.
الفن لا يقسم البشر بقدر ما يعكس اختياراتهم.
والذائقة ليست طبقة اجتماعية، بل رحلة شخصية تبدأ بفضول صغير، وقد تنتهي بعالم كامل من التذوق.
ماريا الخنيزي
