تشكيل المشهدية الثقافية من رواد الثقافة بين: (كتبت وحاورت) قراءة في إصدارات الأستاذ سهم الدعجاني بقلم الاستاذة / عفاف عداوي أحمد.

في عالم الكتب وعلى مسرح الكتابة تكشف عبارة الإهداء
أعمق محرّكات الروح والفكر
ولما حظيت بإهداء كريم في لحظة عابرة انتظرت بشغف
ماستكتشفه لي عبارة الإهداء الذي حظيت به الذي كشف لي ما هو أعمق من مكنون الروح والفكر حين وجدت روح ولغة المشروع الذي اختطه المؤلف، هنا تحولت فرصة اللقاء وتقدير الإهداء بابًا لقراءة تتجاوز الزمان والمكان إلى تأمل مشروع ثقافي كامل: هندسة المشهدية الثقافية
أشارككم نص الإهداء الذي خطّه الأستاذ سهم الدعجاني على كتابيه للنطلق للتوضيح:
“إلى الأستاذة: عفاف أحمد، لعل فيه ما يفيد”.
عبارة موجزة، لكنها تحمل في طياتها تواضع الكاتب الحقيقي الذي يقدّم منجزه دون ادّعاء، تاركًا للقارئ مساحة الحكم والانتفاع. ومن هذا الإهداء البسيط، تولّدت رغبة في قراءة متأنية لمشروع ثقافي امتدّ عشر سنوات كاملة بين إصدارين، شكّلا معًا مشهدية متكاملة في المشهد الثقافي السعودي.

المشهدية الأولى: “كتبتُ”
في كتابه الأول “الصالونات الأدبية في المملكة العربية السعودية – رصد وتوثيق”، لم يكتفِ الدعجاني بدور الراصد المحايد، بل صرّح بوضوح عن هدفين أساسيين رسما ملامح مشروعه: إبراز مبدأ الحوار الوطني بوصفه ركيزة جوهرية للحراك الأدبي والمشهد الثقافي، وتقديم دليل ومرشد لناشئة الفكر يهتدون به في مسارهم المعرفي.

واللافت في هذا الإصدار أن الكاتب لم يكن مجرد مؤرّخ للحاضر، بل امتلك رؤية استباقية حين اقترح تطوير المنتديات الأدبية، في وقت لم يكن فيه هذا التوجه بارزًا كما هو اليوم. فما نعيشه الآن من نمو ملحوظ للمشهد الأدبي الرقمي والمؤسسي، كان الدعجاني قد استشرفه بعين المتابع الواعي، لا المتفرج العابر. لقد حصر أهداف هذه المنتديات بدقة تحليلية، وكأنه ينقل لناشئة الفكر صورة الماضي بكل تفاصيلها، ليكون توثيقه أداة تطوير لا مجرد أرشفة جامدة. هذا ما يمنح الكتاب قيمته المضاعفة: فهو وثيقة تاريخية من جهة،ومشروع استشرافي من جهة أخرى.

المشهدية الثانية: “حاورتُ”

أما في كتابه الثاني “حاورت هؤلاء – سجالات في الثقافة والأدب”، فإن الدعجاني ينتقل من موقع الموثّق إلى موقع الصانع الفعلي للمشهدية الثقافية. فعل الحوار هنا ليس محايدًا، بل هو فعل قصدي بامتياز؛ إذ إن اختيار الرموز الثقافية التي أجرى معها حواراته لم يكن اعتباطيًا، بل انبنى على وعي دقيق بأهمية كل شخصية في تشكيل الذاكرة الثقافية الوطنية.

ويتجلى ذكاء الدعجاني الثقافي في طريقة إعداده لهذه الحوارات، وتظهر موضوعويته حين حافظ على نصوصها كما وردت، دون تدخل أو تجميل، ليكون بذلك جسرًا حقيقيًا واصلًا بين الأجيال؛ فالحوار في جوهره فعل توثيقي حي، ينقل نبض اللحظة الثقافية بصدقها وتناقضاتها، وهذا ما جعل الكتاب سجلاً حيّا للحراك الثقافي منه إلى مجرد تجميع لأسئلة وأجوبة.

المشهدية الثالثة: التكامل بين الكتابين

حين نضع الإصدارين جنبًا إلى جنب، تتكشف رؤية واحدة ممتدة عبر عشر سنوات. ففي الكتاب الأول، وثّق الدعجاني الفضاءات الثقافية (الصالونات الأدبية)، وفي الثاني، وثّق الأصوات التي أثْرت هذه الفضاءات (الشخصيات المحاورة). هذا التكامل لم يكن صدفة، بل امتداد طبيعي لمشروع واحد يضع رواد الثقافة في قلب اهتمامه، سواء عبر رصد أماكن حضورهم أو عبر تسجيل أصواتهم مباشرة.
إن غزارة حضور هؤلاء الرواد في كتابات الدعجاني، وعنايته الفائقة بتقديمهم للقارئ، تكشف كما يكشف حضوره الفاعل اليوم عن مشروع ثقافي واعٍ بدوره في حفظ الذاكرة الثقافية وإعادة تشكيلها.

المشهدية الرابعة:مشهدية الوفاء؛ الإهداء بلغة الامتنان
لعل من أجمل ما يكشفه هذان الإصداران، حين خصّ الدعجاني كل كتاب بإهداء لشخصية ثقافية بارزة أسهمت في مسيرته أو في المشهد الثقافي عمومًا.
فقد أهدى كتابه الأول إلى الأستاذ حمد القاضي، عضو مجلس الشورى، وأهدى الثاني إلى الأستاذ خالد بن حمد المالك، رئيس تحرير صحيفة الجزيرة.
وفي هذين الإهداءين ما يتجاوز المجاملة الشكلية إلى تكريس قيمة الاعتراف بالفضل، وهي قيمة أصيلة في الثقافة العربية، حين يضع الكاتب اسمه إلى جانب من أسهموا في تشكيل مسيرته أو دعم مشروعه الثقافي.

مشهدية الختام: بلسان ناشئة الفكر أعود بالذاكرة إلى تلك اللحظة الأولى، حين أهداني الأستاذ سهم الدعجاني كتابيه بعبارته المتواضعة: “لعل فيه ما يفيد”. ضحكت بسخرية حين قرأته واليوم أكتب لأعتذر عن هذه السخرية فقد تعلمت درس (المشهدية) بعد هذه القراءة المتأنية في مشهديات رسمها الكاتب بوعي وصبر: مشهدية التوثيق، ومشهدية الحوار، ومشهدية الوفاء، ومشهدية الإهداء
أستطيع أن أقول بلسان ناشئة الفكر (وأنا منهم) الذين استهدفهم الكاتب: إن في هذين الكتابين ما هو مفيد، وأكثر:

المسؤلية الثقافية تتشكل بهندسة مشهدية يجيد أمثاله رؤيتها بوضوح وكتابتها بإصرار.

كتبت:
عفاف عداوي أحمد.

زر الذهاب إلى الأعلى