دينا الخالدي _ الحديثة
عندما يبدأ المسافر أولى خطواته نحو المملكة، يعبر أكبر منفذ حدودي في الشرق الأوسط… بوابة الخليج إلى بلاد الشام. وهنا، عند الحديثة، يشتم عبق التاريخ قبل أن تطأ قدماه أرض الوطن. فهذه البوابة لم تكن يومًا مجرد نقطة عبور، بل كانت وما زالت شاهدة على حركة الناس، وحكايات الطريق، وبداية الرحلة نحو شمال المملكة.
وبالقرب من المنفذ، يقف قصر الحديثة التاريخي شامخًا بجدرانه التي عاشت عقودًا من الحراسة والمتابعة. بُني القصر في منتصف القرن الماضي ليكون مقرًا للإدارة وحماية الحدود، وظلّ شاهدًا على تحولات المنطقة ونموّها، وعلى وجوه الحراس الذين تعاقبوا على خدمة المكان.
وعلى مسافة خطوات من القصر، يقف مسجد الحجر في الحديثة، أحد أبرز المساجد التاريخية في محافظة القريات. بُني عام 1375هـ ليكون محطة روحية للمسافرين والحجاج القادمين عبر المنفذ. يتميز المسجد ببنائه الحجري القديم وقربه من القصر، وكأنهما معًا يشكّلان لوحة تراثية واحدة تحكي قص المكان وهويته.
ومن الحديثة إلى العيساوية، تمتد الحكاية ذاتها. ففي قلب المركز القديم، يقف مسجد الحجر بالعيساوية، بُني بسقف خرساني وحجارة قديمة، وكان نقطة تجمع لأهالي القرية وحدودها القديمة. ومع مرور الزمن، ظل المسجد شاهدًا على حياة الناس، وعلى بدايات المنطقة قبل أن تتوسع عمرانًا وسكانًا.
وبجوار المسجد، يقف قصر إمارة العيساوية، بُني عام 1377هـ في عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، باستخدام الحجارة البركانية السوداء. يضم القصر برج مراقبة كان يُستخدم لحماية المنطقة ومتابعة حركة الحدود، ويُعد اليوم موقعًا محميًا بموجب نظام الآثار والمتاحف والتراث العمراني، مما يؤكد قيمته التاريخية وضرورة الحفاظ عليه.
وجاءت مبادرة سمو ولي العهد لتطوير المساجد التاريخية لتعيد الروح إلى هذه الجدران الصامتة… الجدران التي شهدت سجدات خاشعة، وعاشت بين حجارتها روحانيات من سكنوا هذه القصور لحماية حدودها. أعادت المبادرة الحياة لمسجدَي الحجر في الحديثة والعيساوية، مع الحفاظ على هويتهما المعمارية الأصيلة وتطوير مرافقهما، ليعودا منارات روحية وثقافية كما كانا.
وهكذا تتكامل المساجد مع قصرَي الإمارة في الحديثة والعيساوية، لتشكّل لوحة تاريخية متكاملة تعيد للمكان عبقه القديم، وتبرز الدور الحضاري لمنطقة الجوف بوصفها بوابة شمال المملكة، حيث يلتقي التاريخ بالحدود، والروح بالمعمار، والحكاية بالواقع.






