النظام الإيراني بين رجال الدولة والمتشددين بقلم الكاتبة/ د . فاتن الدوسري

     لم تسد حالة واسعة من التفاؤل بشأن صمود اتفاق الهدنة أو ما يُعرف باتفاق الـ 60 يوماً بين طهران وواشنطن، إذ كانت التوقعات ترمي إلى إصرار إسرائيل على إفشاله، لكن المفاجأة كانت في انهياره السريع إثر التعنت الإيراني على فرض رؤيتها في مضيق هرمز، ولبنان أيضاً، مُضحيةً ببعض المكتسبات الهامة المؤقتة، خاصة تصدير نفطها، وإثبات حسن النوايا والمرونة للعالم بصفة عامة لإبرام اتفاق نهائي شامل.

        والتعنت الإيراني أو مساهمتها الكبيرة في إفشال الاتفاق بعد مفاوضات صعبة استمرت أكثر من ثلاثة أشهر، لمن لديهم دراية عميقة بطبيعة النظام الإيراني وعقيدته والداخل الإيراني وهم قلة، لم يكن مفاجئاً، إذ لا ينفصل هذا الفشل عن مجمل طبيعة هذا النظام وأهدافه ومراكز القوى الرئيسة فيه.

         إذ هنا لابد من طرح بعض الأسئلة الجوهرية كي تتضح الصورة كاملة: لماذا أصر النظام من الأساس على امتلاك سلاح نووي، ولماذا يماطل ويناور في كل اتفاقاته على الاستمرار في امتلاكه بصورة غير مباشرة؟ ولماذا أسس أذرعاً ووكلاء له ودعمهم بمليارات على حساب المواطن، ولماذا يصر على استمرارهم في اتفاقاته؟ ولماذا يتدخل في جواره الخليجي، ويقوم بضرب دوله خاصة المنشآت المدنية بصورة فجة؟ وما هو موقفه الراسخ تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل؟ والسؤال الأهم على الإطلاق، لماذا يمضي بإصرار في حربه مع واشنطن متكبداً كل تلك الخسائر الفادحة؟

        إيران عموماً، والنظام الإيراني خصوصاً، ذو طبيعة خاصة عن جل دول العالم، فالقومية الفارسية التاريخية متجذرة بعمق في الإيرانيين، ومحدد رئيسي في سلوك إيران الخارجي. ولما اندلعت الثورة الإسلامية بقيادة الخميني؛ أضحت الأيديولوجية الشيعية محدداً أصلب لسلوك إيران، وكلا المحددين القومي الفارسي/الأيديولوجييخدمان هدفاً أساسياً مركزياً لإيران وهو مشروع هيمنة على الخليج، بل المنطقة برمتها.

       والمحدد الأيديولوجي الذي عزز المحدد القومى لكنه يواريه منذ 1979؛ أصبح متجذراً بعمق في مؤسسات الدولة بلا استثناء، وملايين من الشعب الإيراني. فجميع مؤسسات الدولة خاصة الأمنية يحكمها أبناء الخمينى، وخامنئىذو التوجه العقيدي الأيديولوجي الجامد، والذيضمن جملة أموريؤمن إيماناً راسخاً بتصدير الثورة وتأسيس هيمنة خليجية ونصرة الله لهم في النهاية مهما كانت الخسائر، وأيضا الولايات المتحدة الشيطان الأعظم التي لا يمكن قط الوثوق فيها ولا إبرام اتفاق معها، وإسرائيل خادم الشيطان التي لا مجال سوى إزالتها من المنطقة، وجميع حلفاء واشنطنخاصة السنةأعداء يجب محاربتهم للنهاية.

         باستدعاء جولات الصراع بين الإصلاحيين والمتشددين منذ رافسنجانى وبعدها خاتمي الداعين لانفتاح إيران على الغرب، والتخلي عن البرنامج النووي، يتبدى بجلاء غلبة المتشددين على مؤسسات وقرار إيران. فالانقسام القائم في إيران حالياوهو ليس مسرحيةامتداد لذلك، من حيث تيار رجال دولة عقلانييعمل على إيقاف نزيف الخسائر وتأسيس علاقات طبيعية لإيران مع دول العالم خاصة دول الجوار، وتيار المتشددين الغالب المتشبث بالأهداف والرؤية عملاً بعقيدة النصر أو الشهادةحتى ولو انهارت الدولة وسقط الشعب في كوارث إنسانية خطيرة.

           وبناء على ذلك، ففي ظل هيمنة المتشددين على إيران بقيادة الحرس الثوري الإيراني وبعد مقتل خامنئى تحديداً، من غير المأمول على الإطلاق، العودة للاتفاق، أو إبرام اتفاق نهائي جديد. إذ في صدد ذلك، يرى المتشددين أن إبرام اتفاق مع واشنطن، والتخلي عن البرنامج النووي بصورة نهائية، بمثابة تهديد لشرعية الحكم في إيران، وشرعية مكتسباتهم السياسية والدينية والاقتصادية أيضا. فالعداء للولايات المتحدة تحديداً هو ذريعة البقاء والتشدد، وقمع الإيرانيين، والاقتصاد غير الرسمي الذي يدر الملياراتوغيرها.

           خلاصة القول، سارعت شائعات كثيرة أن اتفاق ال60 يوما قد وافقت النظام الإيراني عليه بعد صراع عنيف بين المتشددين خاصة الحرس الثوري ورجال دولة إيران بقيادة قاليباف وبزشكيان، وقد تأكد ذلك إثر الانهيار السريع له. وتكمن المعضلة في غلبه المتشددين في داخل إيران الذين يكيلون الاتهامات والإهانات علانية لمن يمثلون صوت الدولة العامل بما في ذلك الرئيس بزشكيان. وكل ذلك يؤشر لنتيجة واحدة مؤسفة هي استمرار جولات الصراع بين واشنطن وطهران بما لها من ارتدادات خطيرة على دول الخليج.

زر الذهاب إلى الأعلى