د . أشواق الحربي
وقعت إحدى أكثر محاولات الانقلاب قسوةً في التاريخ السياسي التركي قبل عشرة أعوام، في الـ 15 من تموز/يوليو 2016. وكان هدفهذه المحاولة، التي نفذتها شبكة إرهابية تسللت بمكرٍ إلى مؤسساتالدولة، جرَّ تركيا إلى حالة من الفوضى طويلة الأمد وإخضاعمستقبل شعبها لهيمنتها. إلا أن شعبنا الأبي، الذي تمسّك باستقلالوطنه ومستقبل أمته، تصدّى للانقلابيين بمقاومة بطولية، معلنًا أمامالعالم أجمع أن الإرادة الوطنية في هذه الأرض لا يمكن أن تُستعبد أوتُصادر. ولا شك أن ما أظهره الشعب التركي في ليلة الـ 15 من تموز/يوليو من حكمةٍ وشجاعةٍ وبصيرة يُعدّ حدثاً فريدًا في تاريخالديمقراطية العالمية.
لقد كانت هذه المحاولة الخائنة، التي نفذها تنظيم غولن الإرهابي(فتو)، تتجاوز كونها انقلابًا عسكريًا تقليديًا، إذ مثّلت محاولة احتلالشاملة هددت استقلال بلادنا وسيادتها. وكان الهدف الأول للانقلابيينهو المجمع الرئاسي ومجلس الأمة التركي الكبير، بوصفهماالمؤسستين اللتين تجسدان الإرادة الوطنية واستقلال الشعب التركي. وفي التصريح الذي أدليت به ليلة الـ 15 من تموز/يوليو، أكدت أنني لمأُؤمن يومًا بوجود قوة تفوق قوة الشعب. وقد قلت ذلك وأنا على يقينبأن الشعب التركي سيحمي إرادته الحرة. وبالفعل، فقد خرج أبناءشعبنا في تلك الليلة إلى الشوارع بإيمان راسخ وثقة كبيرة بالنفس،رافضين الخضوع لهيمنة العصابة الإرهابية. وقد خاض شعبنا، دفاعًاعن استقلال وطنه، ومكتسباته الديمقراطية، وإرادته الحرة، مقاومةًباسلةً ضحّى فيها بالغالي والنفيس، حتى تمكن من دحر الانقلابيين،مسطرًا ملحمةً وطنيةً في صون الإرادة الشعبية ستظل مصدر فخرتتناقله الأجيال.
استلهمنا من الموقف الشجاع الذي أبداه شعبنا العزم على التحركسريعًا لإزالة الآثار السلبية التي خلّفتها هذه المحاولة الخائنة. وبادرناعلى وجه السرعة إلى تنفيذ إصلاحات هيكلية تكفل تجريد أيتشكيلات داخل مؤسسات الدولة من قدرتها على تهديد سير العملالديمقراطي عبر وسائل خارجة عن الإطار السياسي. وعقب ذلك،حققنا نجاحات حاسمة في العمليات التي نفذناها داخل البلادوخارجها، في إطار استراتيجيتنا الرامية إلى القضاء على التنظيماتالإرهابية الاخرى التي واجهناها. وفي نهاية المطاف، أطلقنا مبادرةتركيا خالية من الإرهاب، بوصفها صفحةً جديدةً في مسيرة وحدتناوتلاحمنا الوطني. ويُعد هذا المسار أحد المرتكزات الأساسية لرؤيةالمئوية التركية، وهو يمضي، بفضل الله، بخطى واثقة نحو تحقيقأهدافه، مستندًا إلى نهج شامل واحتوائي، وإلى الجهود التي تبذلهاالأجهزة الأمنية المختصة، فضلًا عن الدعم الذي تقدمه المؤسساتالسياسية. وأؤمن بأن نجاح مسار تركيا الخالية من الإرهاب لنينعكس إيجابًا على أمن واستقرار بلادنا فحسب، بل سيسهم أيضًافي تعزيز السلم والاستقرار في منطقتنا.
لقد اتخذنا خطوات راسخة نحو بناء مستقبل أكثر ازدهارًا من خلالالمشاريع التي أطلقناها في قطاعات الطاقة، والنقل، والصحة،والزراعة، والتكنولوجيا، والدفاع، وذلك في إطار نضالنا ضد محاولةالانقلاب التي استهدفت أيضًا الرفاه الاقتصادي والتنمية في بلادنا. وخلال السنوات العشر الماضية، أحرزنا طفرةً نوعية في صناعاتالدفاع والطيران والفضاء عبر المبادرة الوطنية للتكنولوجيا. كما طورناأنظمة نقل كهربائية وذكية، وعملنا على تنفيذ استثمارات كبيرة فيمجالي الصحة والزراعة، سعيًا إلى أن نكون على قدر التضحياتالتي قدمها شعبنا. وخلال هذه المرحلة، واصلنا أيضًا تطوير منتجاتالتي أصبحت علامة تجارية تحظى بتقدير واسع على المستوىالعالمي. ومن أبرزها السيارة الكهربائية TOGG، والطائرة القتاليةالوطنية KAAN، والكورفيتات الوطنية، والطائرات المسيّرة.
ومن جهة أخرى، وخلال السنوات العشر التي مضت، برزت تركيا،بفضل نهجها القائم على الدبلوماسية المبادِرة، بوصفها فاعلًا مؤثرًافي إيجاد الحلول للأزمات والنزاعات على المستويين الإقليميوالدولي. ولم نتردد في تحمّل مسؤولياتنا من أجل إرساء السلاموالاستقرار، فوقفنا في جميع مناطق الأزمات إلى جانب المظلوموصاحب الحق، لا إلى جانب الأقوى. وكلما وقع ظلم أو انتهاك للعدالة،كانت تركيا صوتًا للقانون الدولي، والعدالة، والضمير الإنساني. وإذاكانت تركيا اليوم تُعدُّ دولة يُعوَّل على إسهاماتها في القضايا الإقليميةوالدولية، وتحظى كلمتها بالثقة، وتُؤخذ آراؤها بعين الاعتبار، فإنالفضل في هذا الإنجاز يعود إلى الإرادة الراسخة لشعبنا الأبي،الذي دافع، مضحيًا بنفسه، عن استقلال وطنه ومستقبل أمته في ليلةالـ15 من تموز/يوليو.
لا تزال مكافحة الإرهاب، التي تتطلب تعاونًا دوليًا، تأتي في مقدمةجدول أعمال سياستنا الخارجية. وكما هو معلوم، فقد تسارعت خلالالعامين الماضيين وتيرة التفكك الداخلي في البنية الخارجية لتنظيمغولن الإرهابي (فتو). ومع ذلك، فإننا على علم أن بعض الدول لا تزال،ولو بصورة غير معلنة، تقدم الدعم لهذا التنظيم وتأوي عناصره. وأودبهذه المناسبة أن أؤكد ضرورة توخي الحذر إزاء تنظيم غولنالإرهابي(فتو)، الذي لا يتورع عن سلوك أي سبيل لتحقيق أهدافه،ويتخفى في شتى الصور، ويستغل مفاهيم الديمقراطية والحريةوحقوق الإنسان وغيرها من القيم لتحقيق مآربه. وبوصفنا شعبًا فقدفي ليلة الخامس عشر من تموز 253 من أبنائه كشهداء على يدالانقلابيين، فإن تطلعنا الأساسي إلى المجتمع الدولي يتمثل في دعمنضال تركيا المشروع. وبوصفنا شعبًا استُشهد 253 من أبنائه على يدالانقلابيين في ليلة الـ 15 من تموز/يوليو، فإننا نتطلع إلى أن يساندالمجتمع الدولي النضال المشروع الذي تخوضه تركيا. فإرساء السلاموالأمن والازدهار على المستوى العالمي لن يتحقق إلا من خلالمكافحة حازمة لا هوادة فيها ضد التنظيمات الإرهابية، دون أيتمييز، وبالاستناد إلى تعاون صادق.
رئيس الجمهورية التركية
رجب طيب أردوغان
