لن تكون مواجهة فرنسا وإسبانيا في نصف نهائي كأس العالم عام 2026 مجرد صراع على بطاقة العبور إلى النهائي، بل أيضا آخر ظهور لملعب دالاس في البطولة.
فبعد أكثر من شهر من استقبال المباريات، سيبدأ الملعب الشهير في ولاية تكساس مرحلة العودة إلى وضعه السابق، بعدما ترك بصمته كأحد أكبر التحديات التقنية في هذا المونديال.
فور الإعلان عن استضافة الملعب لمباريات كأس العالم، بدأ سباق طويل لإيجاد الحل المثالي لأرضية ملعب صمم أساسا لكرة القدم الأمريكية. فملعب دالاس كاوبويز لم يكن مجهزا لاستقبال مباريات كرة القدم، ما دفع المنظمين إلى إنشاء ملعب كامل فوق الأرضية الاصطناعية الأصلية، في عملية غير مسبوقة تطلبت سنوات من الدراسات والتجارب.
وقال إيان كريغ، مدير الملعب والمسؤول في الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، إن الهدف لم يكن مجرد توفير عشب أخضر، بل ضمان أرضية تلبي أعلى معايير اللعبة.
وأوضح: “نستضيف أكبر بطولة كرة قدم في العالم، وهؤلاء هم أفضل اللاعبين في العالم، لذلك نريد أن نوفر لهم أفضل الأرضيات”.
لم تكن مهمة تجهيز ملاعب مونديال عام 2026 مقتصرة على تركيب العشب، بل شملت أبحاثا دقيقة لضمان أن تكون جميع الملاعب الـ16 ومراكز التدريب متقاربة من حيث طريقة تدحرج الكرة وارتدادها، حتى لا يواجه اللاعبون اختلافات كبيرة بين ملعب وآخر.
وشارك في هذه المهمة علماء متخصصون في العشب ومسؤولو صيانة ملاعب بالتعاون مع جامعات أمريكية، من بينها جامعة تينيسي وجامعة ولاية ميشيغان، إضافة إلى فريق إدارة الملاعب التابع للفيفا.
ويقول كريغ إن التفاصيل الصغيرة كانت حاسمة: “الأمر لا يتعلق فقط بوجود عشب أخضر، بل علينا أن نضمن أن توفر هذه الملاعب طريقة اللعب التي اعتاد عليها اللاعبون الكبار”.
كان ملعب دالاس من أصعب الملاعب التي احتضنت مباريات كأس العالم، باعتباره واحدا من ثلاثة ملاعب مغلقة في البطولة.
فغياب أشعة الشمس والاعتماد على أجهزة التكييف فرضا تحديات إضافية للحفاظ على جودة العشب.
ولهذا السبب، تم نقل عشب خاص من ولاية كولورادو، قادر على تحمل الظروف المختلفة داخل الملعب المغلق، قبل أن يتم تثبيته فوق طبقات مجهزة خصيصا لهذا الحدث.
كما تم تركيب مصابيح نمو معلقة من سقف الملعب، يتم استخدامها في الأيام التي لا تقام فيها مباريات، للمساعدة على الحفاظ على صحة العشب طوال فترة البطولة.
النتيجة النهائية كانت إنشاء أرضية كرة قدم حقيقية فوق ملعب كرة القدم الأمريكية، حيث ارتفع سطح اللعب الجديد بحوالي 4.5 قدم عن مستوى الملعب الأصلي.
ويشرح كريغ: “لدينا طبقة تربة كاملة هنا، هذا ليس مجرد تركيب مؤقت، بل ملعب كرة قدم كامل. لدينا أيضا عناصر هجينة تشبه ما يمكن أن تراه في أكبر الدوريات الأوروبية”.
هذه التجربة جعلت ملعب دالاس نموذجا مختلفا في مونديال عام 2026، حيث أثبتت إمكانية تحويل منشأة مصممة لرياضة أخرى إلى مسرح عالمي لكرة القدم دون بناء ملعب جديد بالكامل.
بعد صافرة نهاية مباراة فرنسا وإسبانيا، سيبدأ فريق الصيانة عملية تفكيك أرضية الملعب، لتعود المنشأة لاحقا إلى دورها المعتاد في استضافة مباريات دوري كرة القدم الأمريكية والحفلات الموسيقية.
وقال كريغ: “هذا ملعب مزدحم للغاية، يستضيف الكثير من الفعاليات. لقد أدى الغرض الذي أقيم من أجله، والآن سيعود لاستخداماته المعتادة”.
لكن قبل أن تختفي هذه الأرضية، ستبقى شاهدة على واحدة من أبرز قصص مونديال عام 2026: قصة ملعب لم يُبنَ من الصفر، لكنه احتاج سنوات من العلم والهندسة ليصبح جاهزا لاستقبال أكبر نجوم كرة القدم في العالم.
