في صباح يوم جمعة مباركة، خطر ببالي سؤال مختلف:
إذا كانت مهنة التقييم الحديثة تقوم على التحليل والقياس والعدل وإعطاء الأشياء قيمتها الحقيقية، فهل يمكن أن نجد في القرآن الكريم نماذج وشخصيات نستمد منها مفاهيمنا المهنية وقيمنا وسلوكنا في ممارسة التقييم؟
وبالتأمل في آيات القرآن الكريم وقصص الأنبياء والصالحين، وجدت أن جوهر التقييم حاضر في مواضع كثيرة، وأن العديد من الشخصيات القرآنية جسدت صفات يحتاجها كل مقيّم يسعى للعدل والدقة والأمانة.
يوسف عليه السلام… الكفاءة والمعرفة
قال تعالى:
﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾
لم يقدّم يوسف عليه السلام نفسه على أساس المكانة أو الشهرة، بل على أساس الكفاءة والأمانة والعلم.
ومن قصته نتعلم أن المقيّم الناجح لا يعتمد على الانطباعات، بل على المعرفة والتحليل والقدرة على استشراف المستقبل وفهم المخاطر وتقدير النتائج.
فالعلم أساس التقييم، والأمانة حارسه.
شعيب عليه السلام… العدالة والإنصاف
قال تعالى:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾
ربما تكون هذه الآية من أبلغ ما يمكن أن يستحضره المقيّم في عمله اليومي.
فوظيفة المقيّم ليست رفع القيمة أو خفضها وفق الأهواء، بل إعطاء الأصل حقه الحقيقي دون زيادة أو نقصان.
ومن مدرسة شعيب عليه السلام نتعلم أن العدالة ليست خياراً مهنياً، بل واجباً أخلاقياً.
سليمان عليه السلام… الحكمة في تقدير الحقوق
في قضية الحرث الذي أفسدته الغنم، منح الله سليمان عليه السلام فهماً دقيقاً للواقعة حتى يصل إلى الحل العادل بين الأطراف.
وهنا يظهر معنى مهم في التقييم، وهو أن تقدير الأضرار والتعويضات لا يقوم على الحساب المجرد فقط، بل يحتاج إلى فهم شامل للوقائع والآثار والحقوق.
فالحكمة قبل الحكم، والفهم قبل التقدير.
ذو القرنين… دراسة البدائل وتقييم المشروعات
عندما واجه مشكلة يأجوج ومأجوج، لم يندفع مباشرة إلى التنفيذ، بل قيّم الواقع والموارد والمتطلبات ثم اختار الحل الأنسب.
ومن قصته نتعلم أهمية تقييم المخاطر، وتحليل الاحتياجات، ودراسة البدائل، واختيار الحل الذي يحقق أفضل منفعة بأفضل استخدام للموارد.
الخضر عليه السلام… القيمة الحقيقية خلف المظاهر
في قصة السفينة بدا الأمر لأول وهلة وكأنه إتلاف للأصل وإنقاص لقيمته، لكن الحقيقة كانت حماية الأصل من الضياع الكامل.
وهنا نتعلم درساً بالغ الأهمية:
ليست كل قيمة ظاهرة هي القيمة الحقيقية، وليست كل خسارة آنية خسارة فعلية.
فالمقيّم المحترف يبحث عن الحقيقة الاقتصادية الكامنة خلف المظاهر.
موسى عليه السلام… الأمانة أساس الثقة
عندما قالت إحدى ابنتي الرجل الصالح:
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
جمعت هذه الآية ركنين أساسيين لكل مهنة احترافية:
القوة، وتمثل الكفاءة والخبرة والقدرة.
والأمانة، وتمثل النزاهة والحياد والصدق.
فإذا اجتمعت الخبرة مع الأمانة اكتملت شخصية المهني الموثوق.
الميزان… الرمز الأعظم للتقييم
قال تعالى:
﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾
ولعل أجمل ما يربط القرآن الكريم بمهنة التقييم هو مفهوم الميزان.
فالميزان ليس أداة وزن فحسب، بل رمز للعدل والدقة والموضوعية والانضباط.
وكلما اقترب المقيّم من الميزان اقترب من العدالة، وكلما ابتعد عنه اقترب من الظلم.
الخاتمة
بعد هذا التأمل، أدركت أن التقييم ليس مجرد حرفة، بل منظومة من القيم القرآنية قوامها العلم والأمانة والعدل والحكمة والميزان.
فمهنة التقييم في جوهرها ليست أرقاماً ومعادلات وتقارير فحسب، بل رسالة أخلاقية ومسؤولية مهنية تقوم على تحري الحق والإنصاف وإعطاء الأشياء قدرها الحقيقي.
فمن يوسف عليه السلام نتعلم الكفاءة والعلم، ومن موسى عليه السلام الأمانة والثقة، ومن شعيب عليه السلام العدالة والإنصاف، ومن سليمان عليه السلام الحكمة في تقدير الحقوق، ومن ذي القرنين أهمية دراسة البدائل وتقييم المشروعات، ومن الخضر عليه السلام البحث عن القيمة الحقيقية خلف المظاهر، ومن الميزان نتعلم أن العدل هو الغاية الكبرى التي ينبغي أن يسعى إليها كل مقيّم.
ولهذا أرى أن الآية التي يمكن أن تمثل جوهر رسالة المقيّم في جميع فروع التقييم هي قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾
فهي تختصر رسالة المهنة كلها:
أن نعطي كل أصلٍ قيمته الحقيقية، وكل حقٍ قدره العادل، دون زيادة أو نقصان.
المستشار يوسف محمد الناصر
زميل التقييم المعتمد
زميل التحكيم المعتمد
هذا المقال ليس فقط عن التقييم، بل عن ربط المهنة بمنظومة أخلاقية قرآنية تجعل من المقيّم حارساً للعدل، وأميناً على الحقوق، وباحثاً عن الحقيقة والقيمة العادلة.
