نجحت المملكة خلال السنوات الماضية في رفع نسب التوطين وفتح آلاف الفرص الوظيفية أمام الشباب والشابات السعوديين، وهي جهود وطنية كبيرة تستحق الإشادة والدعم. لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل بعض الممارسات التي أفرغت مفهوم التوطين من مضمونه الحقيقي، وحولت بعض الموظفين السعوديين إلى مجرد أرقام تُستخدم لتحقيق الحد الأدنى المطلوب من نسب السعودة.
ففي كثير من الشركات، يتم توظيف السعودي براتب لا يتجاوز الحد الأدنى المعتمد، ثم يبدأ مشوار طويل من الجمود الوظيفي. سنوات تمر دون ترقيات حقيقية، ودون زيادات مجزية تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، بينما يُطلب منه أداء مهام إضافية والتنقل بين الفروع والمواقع المختلفة، وكأنه موظف مؤقت لا موظف يبني مستقبله المهني.
المشكلة ليست في الراتب المتواضع عند بداية التوظيف، فكل موظف يدرك أن البدايات تحتاج إلى الصبر واكتساب الخبرة. المشكلة الحقيقية عندما يبقى الراتب قريبًا من نقطة البداية لسنوات طويلة، وكأن خبرة الموظف وتطوره المهني لا قيمة لهما.
كم من شاب سعودي بدأ براتب أربعة آلاف ريال، ثم وجد نفسه بعد خمس أو ست سنوات لا يزال يتقاضى مبلغًا قريبًا من ذلك، رغم التزامه وانضباطه وتحمّله مسؤوليات أكبر بكثير مما كان عليه يوم تعيينه؟
وفي الوقت نفسه، يشاهد موظفين آخرين داخل المنشأة نفسها يحصلون على رواتب ومزايا تفوق راتبه بأضعاف، رغم أنهم يشغلون وظائف متقاربة أو يؤدون مهام مشابهة. هنا يبدأ الشعور بالظلم، وتبدأ الأسئلة المشروعة: أين العدالة الوظيفية؟ وأين تكافؤ الفرص؟ وأين الحوافز التي تشجع على الاستمرار والعطاء؟
ومن الصور التي تستحق التوقف أيضًا، ما يحدث لبعض الموظفين السعوديين الذين يُعرض عليهم العمل خارج المملكة تحت عنوان “فرصة تطوير مهني” أو “مسار وظيفي واعد”. فيوافق الموظف على أمل اكتساب خبرات جديدة وفتح آفاق أوسع لمستقبله المهني، بل ويترك أسرته وأصدقاءه ووطنه طمعًا في فرصة أفضل. لكنه يفاجأ بعد انتقاله بأنه عالق في دولة ترتفع فيها تكاليف المعيشة بشكل كبير، بينما لا تتجاوز الزيادة التي حصل عليها في راتبه سوى مبالغ محدودة لا تعكس حجم التضحيات التي قدمها. والأسوأ من ذلك أن السنوات تمضي دون ترقيات حقيقية أو تطوير مهني ملموس أو انتقال إلى مناصب أعلى كما وُعد في البداية، ليجد نفسه بعد سنوات طويلة في الموقع الوظيفي نفسه ولكن بعيدًا عن وطنه وأسرته وتحت ضغوط معيشية أكبر.
إن التطوير المهني الحقيقي لا يقاس بعدد الكيلومترات التي يبتعد بها الموظف عن وطنه، بل بما يكتسبه من مهارات جديدة، وما يحققه من تقدم وظيفي، وما ينعكس على دخله ومستقبله المهني. أما نقل الموظف من مدينة إلى أخرى أو من دولة إلى أخرى دون مسار واضح للنمو والترقية، فهو مجرد تغيير للموقع الجغرافي لا أكثر.
الكثير من الموظفين السعوديين لا يبحثون عن امتيازات استثنائية، بل يطالبون بحقوق أساسية ومنطقية؛ راتبًا يتطور مع الخبرة، ومسارًا وظيفيًا واضحًا، وفرصًا عادلة للترقية، وتقييمًا يعتمد على الأداء لا على الجنسية أو العلاقات الشخصية.
إن التوطين الحقيقي لا يعني مجرد ملء المقاعد بأسماء سعودية. التوطين الحقيقي هو بناء كفاءات وطنية، واستثمارها، وتمكينها من الوصول إلى المناصب القيادية والإدارية والفنية المتقدمة. أما توظيف المواطن بالحد الأدنى من الراتب وإبقاؤه في المكان نفسه لسنوات، فهو لا يخدم الاقتصاد الوطني ولا يحقق أهداف رؤية المملكة في بناء سوق عمل مستدام وجاذب للكفاءات.
وراء كل موظف سعودي قصة حياة كاملة. هناك أب يعيل أسرة، وشاب يحلم بتأسيس منزل، وموظفة تساعد والديها، وخريج ينتظر فرصة لتحسين وضعه المعيشي. وعندما تتجمد الرواتب لسنوات بينما ترتفع الأسعار والالتزامات، يصبح الاستقرار الوظيفي مجرد وهم، ويصبح الموظف أسيرًا لوظيفة لا تكفي لتحقيق أبسط طموحاته.
والأخطر من ذلك أن بعض هذه الممارسات لا تؤثر على الموظف وحده، بل تؤثر على استقرار سوق العمل بأكمله. فعندما يفقد الموظف الأمل في الترقية أو تحسين دخله، يتحول العمل من فرصة لبناء المستقبل إلى مجرد وسيلة للبقاء، وتزداد معدلات الاستقالات والتنقل الوظيفي، وتفقد الشركات الكفاءات التي أمضت سنوات في تدريبها وتأهيلها. فالموظف الذي لا يرى مستقبله داخل منشأته سيبحث عنه خارجها مهما كان حجم ولائه أو انتمائه.
لكن معالجة هذه المشكلة لا تحتاج إلى حلول معقدة بقدر ما تحتاج إلى إرادة حقيقية للانتقال من مفهوم “التوطين العددي” إلى “التوطين النوعي”. فمن المهم أن يكون لكل موظف سعودي مسار وظيفي واضح منذ يوم تعيينه، يتضمن خطة تطوير مهنية مكتوبة ومحددة بالتوقيت، وأهدافًا قابلة للقياس، وفرصًا للترقية مرتبطة بالأداء والإنجاز لا بسنوات الانتظار فقط.
كما أن من الضروري تشجيع الشركات على الاستثمار في الكفاءات الوطنية من خلال التدريب المستمر والتأهيل القيادي، وربط بعض معايير التوطين بجودة الوظائف ومستوى الرواتب وفرص النمو المهني، لا بالاكتفاء بعدد الموظفين المسجلين فقط. كذلك فإن مراجعة الفجوات الكبيرة في الرواتب بين العاملين في الوظائف المتشابهة من شأنها تعزيز العدالة الوظيفية ورفع مستوى الرضا والإنتاجية داخل بيئة العمل.
لقد نجحت المملكة في معالجة جزء كبير من تحدي التوظيف، واليوم حان الوقت للانتقال إلى التحدي الأهم: جودة الوظيفة واستدامتها. فنجاح التوطين لا يُقاس بعدد السعوديين الذين حصلوا على وظائف فقط، بل بعدد السعوديين الذين تمكنوا من بناء مسار مهني مستقر، وتحقيق نمو حقيقي في دخلهم، والوصول إلى مواقع قيادية تليق بقدراتهم وطموحاتهم.
إن المطلوب اليوم ليس فقط مراقبة نسب التوطين، بل مراقبة جودة التوطين. فالمعيار الحقيقي للنجاح لا يقاس بعدد السعوديين المسجلين على كشوف الرواتب، وإنما بعدد السعوديين الذين تتطور مسيرتهم المهنية، وتتحسن دخولهم، ويصلون إلى مواقع صنع القرار داخل منشآتهم.
فالمواطن ليس رقمًا يُستكمل به شرط نظامي، بل هو شريك أساسي في التنمية، ومن حقه أن يرى ثمرة جهده وتعبه تنعكس على حياته ومستقبله.
وعندما يصبح التوطين وسيلة لبناء الإنسان السعودي لا مجرد استيفاء نسبة مطلوبة، وعندما يصبح الموظف شريكًا في النجاح لا رقمًا في الإحصاءات، عندها فقط نكون قد حققنا الهدف الحقيقي الذي تسعى إليه الدولة. فالوطن لا يكسب عندما نوظف المواطن فقط، بل عندما نمنحه الفرصة لينمو ويتطور ويعيش حياة كريمة تليق بما يقدمه من جهد وعطاء .
