لطالما وقفت البشرية مذهولة أمام المشهد المليوني المهيب الذي تتجلى فيه أسمى قيم الوحدة والروحانية؛
مشهد تجمع الحشود في بقعة جغرافية واحدة وزمن محدد لأداء مناسك الحج.
وفي هذا العام، تجدد الإنجاز السعودي بامتياز مع إعلان وزارة الصحة خلو موسم حج 1447هـ من أي تفشيات وبائية أو مهددات صحية، وهو ما استدعى إشادة دولية رفيعة من منظمة الصحة العالمية، التي عبر مديرها العام، الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، عن تهنئته للمملكة واعتزازه بالكوادر الصحية التي رسمت بأعمالها نموذجاً يحتذى به في الأمان الصحي.
ولم يكن هذا النجاح وليد الصدفة، بل جاء انعكاساً لجاهزية متقدمة وثقتها المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، الدكتورة حنان بلخي، مشيدة بالتوظيف الذكي والابتكاري لتقنيات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي التي رسمت ملامح “الحج الذكي”. وقد تجسد هذا التحول تجسيداً عملياً عبر الشراكة الإستراتيجية بين مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية “كاكست” والمديرية العامة للأمن العام بوزارة الداخلية، والتي أثمرت عن تطوير منصة “رؤى” الذكية؛ وهي منظومة متطورة تدعم مركز القيادة والسيطرة عبر توظيف الاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية (GIS)، حيث تستعرض المنصة قرابة ألفي صورة أقمار صناعية و126 عملية تصوير جوي لتغطية مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة لحظياً. وتعمل هذه التقنية الوطنية على تحليل البيانات المكانية ودراسة الحركة المرورية ومتابعة الكثافة البشرية، إلى جانب رصد الجزر الحرارية والتغيرات المناخية والأنماط غير النظامية لتسريع الاستجابة الميدانية.
ويتكامل هذا الجهد التقني مع منصة “بصير” لتوجيه تدفقات الحشود ومنع التدافع، بالتوازي مع نشر روبوتات تفاعلية ومستقلة لتقديم الفتاوى والتعقيم الذاتي وتوزيع المياه، فضلاً عن تحليق الطائرات المسيّرة لنقل العينات الطبية الطارئة، وتفعيل الرعاية التنبؤية الافتراضية والبطاقات الرقمية “نسك” لإدارة الهوية والتنقل، وصولاً إلى تطبيقات الترجمة الفورية الفورية لخطبة عرفة بمختلف اللغات. وكما أكد معالي وزير الصحة الأستاذ فهد الجلاجل، فإن الأمن الصحي للحج يُعد أمنًا صحيًا عالميًا، نظراً لأن سلامة ملايين الحجاج العائدين إلى بلدانهم تمثل صمام أمان حقيقي للصحة العامة في مختلف قارات العالم،
وهو إنجاز شيدته رؤية القيادة الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله- التي تضع صحة الإنسان أولاً وقبل كل شيء.
وعندما نتأمل هذا المشهد السنوي المتكرر، لا نملك إلا أن نقف بكل فخر واعتزاز أمام الجهود الجبارة التي تبذلها المملكة العربية السعودية عاماً بعد عام في إدارة الحشود وتنظيم الحج.
إن ما نراه في كل موسم هو تجسيد حي لمعجزة تنظيمية وبشرية لا يمكن لأي دولة في العالم أن تديرها بذات الكفاءة والهدوء، فالمملكة لم تعد تكتفي بالإدارة التقليدية، بل أصبحت المرجع الأول عالمياً بما يُعرف اليوم بـ “طب الحشود”، مستندة إلى خبرات تراكمية ممتدة لعقود، وقدرة استثنائية على تذليل أصعب التحديات اللوجستية والأمنية والصحية من خلال صياغة نموذج رائد لإدارة المدن الذكية المؤقتة.
إن رؤيتنا لجهود المملكة في الحج تتجاوز مجرد فكرة التنظيم الإداري؛ إنها ملحمة من العطاء الإنساني والتفاني التشغيلي، تبدأ من التخطيط الاستباقي قبل أشهر من وصول أول حاج، وتستمر عبر منظومة أمنية وصحية وتقنية متكاملة تعمل بدقة متناهية كالساعة. إن هذا العطاء السنوي المستدام يبرهن للعالم أجمع أن خدمة الحرمين الشريفين هي شرف وأمانة تنهض بها المملكة بكل اقتدار، ليبقى الحج دائماً رحلة آمنة، مطمئنة، ومنبراً يعزز سلامة واستقرار البشرية جمعاء.
