اغتيالُ المعنى في عصرِ الغزارةِ بقلم اميره القحطاني

لَطالما اعتُبِرَتِ الكتابةُ في الوعيِ الإنسانيِّ طَقْساً وجودياً يغوصُ في أعماقِ الذاتِ، وتجربةً إبداعيةً تتطلبُ تَجرُّداً تاماً؛ إذ تستلزمُ خلوةً وتأملاً وحبراً يُسكبُ بعنايةٍ ليرسمَ ملامحَ الروحِ على الورقِ. أما اليومَ، فقد انحدرَ القلمُ من عَلْيائِهِ ليصبحَ مجردَ أداةِ رصدٍ خاطفةٍ تقتفي أثرَ اللحظةِ، وتقتحمُ صَخَبَ الأحداثِ لتُنتجَ نصاً مُعلَّباً يفتقرُ إلى العمقِ والوزنِ الزمانيِّ. نحن في حقيقةِ الأمرِ لا نعيشُ عصرَ التحررِ الكتابيِّ كما يُخيَّلُ للبعضِ، بل نرزحُ تحتَ وطأةِ “السُّيولةِ” التي أذابت قيمةَ الكلمةِ وجردتْها من وقارِها المعهودِ.

ولا ريبَ أنَّ الانضباطَ الكتابيَّ وتطويعَ القلمِ تحتَ أيِّ ظرفٍ هما سِمَةُ الاحترافِ التي ميزتِ العمالقةَ؛ فنجيبُ محفوظ وإرنست همنغواي لم يَرْهَنوا إبداعَهم لانتظارِ “وحيِ الإلهامِ” المتقلبِ، بل صقلوا الكتابةَ كَعَضَلَةٍ تُدرَّبُ بجدولٍ صارمٍ، إيماناً منهم بأنَّ المحترفين يصنعونَ إلهامَهم بالعملِ الدؤوبِ بينما يكتفي الهواةُ بترقُّبِ المزاجِ المثاليِّ. بيدَ أنَّ الفخَّ الحقيقيَّ يكمنُ في تحولِ هذا الانضباطِ إلى إنتاجٍ آليٍّ باردٍ يخلو من النَّبْضِ؛ فالمزاجُ ليس عائقاً بل هو مَوْشورٌ يمنحُ النصَّ لونَهُ الوجوديَّ الخاصَّ، ولعلَّ الفلسفةَ التي تُكتَبُ بِحِدَّةِ الغضبِ تكتسبُ ثقلاً دراماتيكياً لا يمكنُ أن تبلغَهُ إذا صِيغَت بمزاجٍ مستهترٍ يجعلُ منها مَسْخاً بلا هويةٍ.

أما على مستوى الجوهرِ، فيتجلى الفارقُ الشاسعُ بين الموسوعيةِ الرصينةِ والتشتتِ السطحيِّ؛ فإذا كان روادٌ مثلُ العقادِ أو أسيموف قد جابوا في مؤلفاتِهم شتَّى ميادينِ المعرفةِ، فقد فعلوا ذلك استناداً إلى قاعدةٍ قرائيةٍ جبارةٍ وجذورٍ معرفيةٍ ضاربةٍ في العمقِ، بخلافِ ما نراهُ اليومَ من تهافُتٍ على الكتابةِ في كلِّ شأنٍ بدافعِ “التواجدِ الرقميِّ” أو ملاحقةِ “التريند” العابرِ في ضجيجٍ يفتقرُ إلى المرجعيةِ الأصيلةِ. فالكاتبُ الذي يبعثرُ حبرَهُ في كلِّ اتجاهٍ قد ينجحُ في خلقِ صدىً مسموعٍ، لكنه يضحي بالأثرِ الباقي الذي لا يُحفرُ إلا بالتركيزِ والاشتغالِ العميقِ على الفكرةِ.

إنَّ الصمتَ الكتابيَّ في كثيرٍ من الأحيانِ ليس عجزاً بل هو ذروةُ النُّضجِ؛ لأنه يمنحُ الفكرةَ فرصةً للاختمارِ في أَتُونِ العقلِ قبل خروجِها للنورِ. فالعظمةُ لا تأتي من قولِ كلِّ شيءٍ في كلِّ وقتٍ، بل من تقديمِ ما هو “عَصِيٌّ على الاستبدالِ”. الممارسةَ المستمرةَ هي بلا شكٍّ رياضةٌ ذهنيةٌ ضروريةٌ لتطويرِ الأدواتِ، لكنَّ النشرَ القهريَّ قد يحولُ الكاتبَ من مفكرٍ يصيغُ الوعيَ الجماعيَّ إلى مجردِ معلقٍ يلهثُ خلفَ القشورِ اللحظيةِ.

صفوةُ القولِ: اكتبْ باستمرارٍ لترتقيَ بعضلةِ قلمِكَ وتُحييَ الفكرةَ في ذهنِكَ، ولكن انشُرْ بوعيٍ وبانتقائيةٍ صارمةٍ لتعيشَ كلمتُكَ في وجدانِ القرَّاءِ؛ فالعظمةُ الحقيقيةُ لا تُقاسُ بوفرةِ الإنتاجِ، بل في صياغةِ كلماتٍ عابرةٍ للزمنِ تتجاوزُ حدودَ الاستهلاكِ اللحظيِّ الذي ينتهي بمجردِ تمريرةِ إبهامٍ عابرةٍ على شاشةِ هاتفٍ.

بقلم / اميره القحطاني
@Amira_q2030

زر الذهاب إلى الأعلى