سينماء: ذراع معرفي يعزز تطور السينما السعودية ويؤسس للفكر النقدي المصاحب للصناعة

الرياض –د.اشواق الحربي

في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها صناعة السينما في المملكة العربية السعودية، تبرز مبادرة سينماء بوصفها مشروعًا معرفيًا نوعيًا يواكب هذا التطور، ويعمل على ترسيخ البعد النقدي والفكري بوصفه أحد أعمدة الصناعة السينمائية المستدامة. وتأتي المبادرة تحت مظلة هيئة الأفلام، ضمن جهودها الرامية إلى بناء منظومة سينمائية متكاملة تجمع بين الإنتاج، والمعرفة، والجمهور.

ولا تقتصر سينماء على كونها منصة محتوى تقليدية، بل تمثل فضاءً معرفيًا منظمًا يُعنى بتقديم دراسات ومقالات تحليلية معمّقة، تمزج بين البحث الأكاديمي والقراءة النقدية والذائقة الفنية، بما يسهم في تأسيس فكر سينمائي محلي قادر على قراءة الفيلم السعودي في سياقه الثقافي والاجتماعي، وربطه بالنظريات السينمائية العالمية.

وتضم المبادرة مكتبة رقمية، وإصدارات متخصصة، إضافة إلى قسم ثري من المقالات النقدية التي يكتبها نخبة من النقاد والباحثين والأكاديميين. ويتميّز هذا المحتوى بسعيه إلى إنتاج معرفة نقدية مستقلة، لا تكتفي بالمراجعة أو الوصف، بل تتجاوزهما إلى تفكيك بنية الفيلم ودلالاته، واستنطاق أسئلته الجمالية والاجتماعية.

السينما والذاكرة الجمعية
ضمن هذا السياق، تناول الباحث عبدالله حمد الزيد في أحد مقالات سينماء موضوع “الذاكرة الجمعية في السينما السعودية: نحو أرشفة رمزية للماضي”، من خلال تحليل فيلم خمسون ألف صورة للمخرج عبدالجليل الناصر، وفيلم هوبال للمخرج عبدالعزيز الشلاحي. وركّز المقال على دور السينما في حفظ الذاكرة الاجتماعية، بوصفها وسيطًا يوثق التجارب الإنسانية ويعيد استحضار ما غاب عن السرد الرسمي، مؤكدًا أن الفيلم يمكن أن يكون أرشيفًا رمزيًا للذاكرة الجماعية.

اللهجة والترجمة
وفي زاوية نقدية مختلفة، ناقش الناقد عادل خميس الزهراني إشكالية ترجمة اللهجات في الأفلام السعودية، متوقفًا عند تجربة مشاهدة فيلم “هوبال” بنسخته المترجمة على منصة “شاهد”. وسلّط المقال الضوء على أثر الترجمة غير الدقيقة في تفريغ العمل السينمائي من حمولته الثقافية، مشيرًا إلى أن اللهجة ليست عنصرًا لغويًا فحسب، بل مكوّن دلالي أساسي في بناء الشخصيات والمعنى.

الحب في السينما السعودية
كما تناول الناقد عبدالله العقيبي تمثيل العاطفة في السينما المحلية من خلال مقاله “الحب في السينما السعودية: تمثيل العاطفة بين ضغط الموضوع والرغبة في البوح”، محللًا أفلام بركة يقابل بركة، و**حد الطار، ورقم هاتف قديم**. وقدّم المقال قراءة منهجية تُعيد النظر في كيفية توظيف ثيمة الحب، وعلاقتها بالسياق الاجتماعي والجماليات البصرية، وصولًا إلى استخلاص فروقات واضحة في معالجة العاطفة بين هذه الأعمال.

مواكبة المشهد السينمائي
ولا تغفل سينماء متابعة الحراك السينمائي الميداني، حيث تناول الصحفي محمد عبد الرحمن في تقرير خاص التحولات التي شهدها مهرجان البحر الأحمر السينمائي في دورته الخامسة، مؤكدًا أن المشاركة السعودية لم تعد استثناءً، بل أصبحت حضورًا طبيعيًا يعكس نضج التجربة المحلية. ولفت التقرير إلى التغير الملحوظ في طبيعة الجمهور، وازدياد إقبال شرائح جديدة على حضور العروض السينمائية ضمن بيئة المهرجانات.

بناء ذاكرة نقدية
وتسعى مبادرة سينماء، من خلال هذا التراكم المعرفي، إلى الإسهام في بناء ذاكرة نقدية للسينما السعودية، تُوازي تطور الإنتاج، وتعمل على الارتقاء بذائقة الجمهور، بما يخلق حلقة تكاملية بين الفيلم، والنقد، والمتلقي.

خاتمة
وتؤكد سينماء أن الفكر النقدي ليس عنصرًا تكميليًا أو ترفًا ثقافيًا، بل وقود أساسي لصناعة سينمائية واعية بمسؤوليتها الثقافية. ومن خلال ما تقدمه من محتوى معرفي رصين، تواصل المبادرة دورها في ترسيخ الكتابة السينمائية بوصفها شريكًا أصيلًا في صناعة الفيلم السعودي، ومكونًا رئيسيًا في انتقاله من مرحلة التأسيس إلى مرحلة النضج والاستدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى