اخبروا الجميع أن من أكثر التدقيق حُرم التوفيق د عائض فهد القحطاني

في زمنٍ تتسارع فيه الخطى، وتضيق فيه المساحات بين الفكرة والتنفيذ
بات “التدقيق المفرط” أحد أبرز العوائق الخفية التي تعترض طريق الإنجاز.
نعم – الدقة مطلوبة- والإتقان قيمة عليا
لكن حين يتحول التدقيق إلى هوس
فإنه يفقد معناه، ويصبح قيدًا يُعطّل المسير بدل أن يُحسّنه.

التدقيق المعتدل يُهذّب العمل، أما التدقيق المبالغ فيه فيُرهق صاحبه ويُشتّت جهده.
كم من فكرةٍ عظيمة وُلدت، لكنها ماتت في مهدها لأن صاحبها أرادها “كاملة” قبل أن ترى النور.
وكم من مشروعٍ تأخر
وكم من فرصةٍ ضاعت
فقط لأن صاحبها ظل يُراجع ويُدقق ويؤجل حتى تجاوزته الحياة.

إن التغاضي ليس ضعفًا بل هو مهارة. هو فنّ إدراك أن الكمال المطلق وهم، وأن الجمال الحقيقي يكمن في الإنجاز لا في التعطيل.
التغاضي عن التفاصيل الصغيرة
عن الهفوات غير المؤثرة
عن الجزئيات التي لا تغيّر جوهر العمل
-كل ذلك -يمنح الإنسان خفةً في الحركة ومرونةً في القرار.

في العلاقات الإنسانية فيصبح التغاضي ضرورة لا ترفًا.
فلو دقّقنا في كل كلمة،
وحاسبنا على كل تصرّف،
لما استمرت علاقة، ولا دامت مودة.
التغاضي هنا هو – زيتُ الحياة –
الذي يمنع احتكاك القلوب من أن يتحول إلى شرارة خلاف.

وفي بيئات العمل
القائد الناجح ليس من يُمسك العدسة المكبّرة على كل تفصيلة،
بل من يُميّز بين ما يستحق التدقيق وما يستحق التجاوز.
لأن الإفراط في التدقيق يقتل روح الفريق،
ويزرع التردد، ويُضعف الثقة.

إن التوازن هو المفتاح:
دقّق فيما يُبنى عليه القرار، وتغاضَ عمّا لا يغيّر النتيجة.
اهتم بالجودة لكن لا تجعلها سجنًا.
اسعَ للإتقان، لكن لا تُؤجل الإنجاز بانتظار الكمال.

ختامًا…
التوفيق لا يُمنح لمن يُرهق نفسه في مطاردة التفاصيل، بل لمن يُحسن توجيه طاقته نحو ما يصنع الفرق.
فاخبروا الجميع:
ليس كل ما يُدقَّق يُتقن وليس كل ما يُتغاضى عنه يُفسد…
بل في التوازن سرّ النجاح

د . عائض فهد القحطاني
كاتب ومؤلف اخصائي ارشاد نفسي خبير التوجيه السلوكي مدرب تنمية المهارات الشخصية والقيادية

زر الذهاب إلى الأعلى