رشاد اسكندراني
في ذاكرة البادية، لا تُخلَّد أسماء الرجال بكثرة وقائعهم فحسب، بل تُحفظ بمواقفهم التي تمتزج فيها الشجاعة بالمروءة، وتُصان فيها الهيبة بالكرم. ومن تلك الصفحات الناصعة، يبرز اسم ساجر الرفدي العنزي، الذي اقترنت مكانته بسمعةٍ ذائعة، تجاوزت ميادين الغزو إلى معاني الجوار وحفظ العهد.
وتروي المأثورات أن قيعي الشليمي السعيدي، من السعيد من الظفير، نزل مع جماعته وإبلهم في حوايا النفود، في أرضٍ شحيحة المرعى، لا حمض فيها، وكان القوم يتشاورون في الارتحال إلى موضعٍ أصلح. غير أن هاجس الخطر كان حاضرًا، لما عُرف عن ساجر من بأسٍ ووقائع، فعبّر الشليمي عن ذلك بأبياتٍ قال فيها:
يا فاطري حنّي على مرتعٍ لك
بين البراك وبين نقرة عثمامير
خشم الحقي إذا جذا مدهلٍ لك
ليا كنهب النزّال ودّ المظاهير
اليوم ساجر بالحوايا يملّك
ملّ الزريقي للبكار الخواوير
عزي لمن بعض العرب فزعةٍ لك
حدب الظهور وباردين المناقير
وتناقلت الركبان هذه الأبيات حتى بلغت ساجر، وهنا يتبيّن معدن الرجال؛ إذ لم يقابلها بسطوةٍ أو تضييق، بل بكرمٍ يليق بأهل السيادة، فأرسل إلى الشليمي مؤمِّنًا، وآذن له بالنزول حيث يشاء، وجاعلًا إياه في جواره.
ولم يكن ذلك وعدًا يُقال، بل عهدًا يُصان؛ فقد أغار بعض القوم على إبله، فلما علموا أنها في جوار ساجر، أعادوها دون نقصان، التزامًا بعرفٍ لا يبور ، و عرف يلزم القريب قبل البعيد.
ويُظهر هذا الموقف أن كرم ساجر الرفدي لم يكن عطاءً يُذكر فحسب، بل كان مروءةً تُحفظ، تتجلى في حماية المستجير، وصون الجار، ورفع قدر من احتمى به؛ وهي خصال لا تصدر إلا عن رجالٍ رسخت مكانتهم وثبتت أقدامهم في مضمار السيادة.
كما تكشف هذه القصة عن امتداد الشليمي، وهم من السعيد من الظفير، يرتبطون بنسبٍ واحد وإرثٍ متصل، امتد إلى الحاضر، حيث ينحدر منهم فهد وخالد الشليمي السعيدي الظفيري ، وهم أبناء عمومة للشيخ جاسم السعيدي الظفيري ، ولا تزال روابطهم قائمة، تتجدد بالزيارة والتواصل في مملكة البحرين و يستذكرون فيها قصص و روابط القبيلة و تواجدها في شبة الجزيرة و و تاريخ الاباء و الاجداد ، في صورةٍ تعكس ثبات اللحمة القبلية واستمرارها عبر الأزمان.
إنها ليست مجرد رواية تُحكى، بل شاهدٌ حيّ على أن المروءة تُخلِّد أصحابها، والكرم يرفع قدر أهله، وأن العهد إذا صانه الرجال، غدا قانونًا لا يُخالف، وسيرةً لا تُنسى.
