في داخل المكتبة… عالَمٌ يتشكّل من جديد قراءة في كتاب «داخل المكتبة خارج العالم» بقلم: أ. ولاء بنت علي الحكمي

تخيّل أنك تفتح كتابًا… فتكتشف أن العالم الذي ظننتَه الوحيد ليس إلا واحدًا من عوالم لا تُحصى. أن الطريقة التي تنظر بها إلى الأشياء ليست حتمية، بل مجرد اختيار لم تنتبه إليه. هذا بالضبط ما يفعله كتاب «داخل المكتبة خارج العالم»؛ لا يتحدث عن القراءة كعادة مستحبّة، بل يعيد تعريفها كفعل وعي وتحرّر وبناء.
الكتاب ليس مجرد مقالات مجمّعة عن فضل القراءة، بل رحلة فكرية تمنح القارئ مرآةً يرى فيها نفسه من زاوية جديدة تمامًا: لا كمتلقٍّ يستقبل الكلمات، بل كشريكٍ أصيل في صناعة المعنى. في هذا المقال، نتوقف عند ثلاثة محاور يراها النقّاد جوهر هذا العمل.
ليس المهم ماذا تقرأ… بل كيف تقرأ
اعتدنا أن نقيس القراءة بالكمّ: كم كتابًا أنهيتَ هذا العام؟ كم صفحة قرأت اليوم؟ هل لحقتَ بقائمة الأكثر مبيعًا؟ لكن هذا الكتاب يطرح سؤالًا مختلفًا تمامًا يقلب المعادلة: ليس ماذا تقرأ، بل كيف تقرأ؟
النصوص المختارة في الكتاب، وهي لكبار الأدباء والمفكرين، لا تقدّم وصفات جاهزة للقراءة المثالية، بل تكشف كيف ينظر الكتّاب أنفسهم إلى هذا الفعل. وهنا تكمن المفاجأة: القراءة ليست سباقًا لإنهاء أكبر عدد من الكتب، ولا تجميعًا للعناوين اللامعة على الرفّ. القراءة فنٌّ، مثل الكتابة تمامًا؛ فنُّ اختيار ما نقرأ، وفنُّ الإصغاء للنص، وفنُّ أن نختلف معه حين يستدعي الأمر.
الرسالة الأعمق هنا بسيطة وجريئة في آنٍ واحد: إن قرأتَ مثل الآخرين، ستفكّر مثلهم. القراءة الحقيقية لا تجعلك تسير مع التيار، بل تمنحك شجاعة أن تسبح عكسه. أن تضع الكتاب «المهم» جانبًا إذا لم يُحرّك فيك شيئًا، دون أن تشعر بالذنب. أن تختار طريقك بين الكتب كما تختار طريقك في الحياة: بوعي.
القارئ الجيّد… ذلك الشريك الذي لا يكتفي بالصمت
يلفت النقّاد إلى أن هذا الكتاب يشبه دورة مكثّفة في «تكوين القارئ». كل نصّ فيه يضيف لبنة في صورة ذلك القارئ الذي لا يمرّ على الكتب مرور الكرام، بل يُقيم معها حوارًا حقيقيًا.
من هو القارئ الجيّد إذن؟ ليس من يحفظ أسماء الكتّاب والجوائز، ولا من يتباهى بأرقام مكتبته. القارئ الجيّد هو من يطوّر ذائقته بصبر، ويعود إلى النصّ حين يحسّ أن فيه ما لم يُستنفد بعد. هو الذي يضع كتابين عن الموضوع ذاته جنبًا إلى جنب ويسأل: أيهما أعمق؟ أيهما أصدق؟ أيهما يحرّك أسئلتي الخاصة بدلًا من أن يُسكتها؟
والأجمل أن الكتاب يمنح القارئ شجاعة الرفض بقدر ما يمنحه شغف الاكتشاف. أن تترك كتابًا لا يُشبهك ليس ضعفًا ولا خسارة، بل وعيٌ ناضج بأن القيمة ليست في إنهاء الكتاب، بل في أن يتغيّر شيء حقيقي في داخلك بعد الانتهاء منه. هكذا يتحوّل القارئ من مستهلك صامت إلى شريك يفاوض النص ويحاوره، ويحتفظ لنفسه بحقّ الحكم.
من هذه الزاوية، يصبح القارئ جزءًا من العملية الإبداعية ذاتها؛ فالنص لا يكتمل إلا في وعي من يقرؤه. وهذه فكرة تمنح القارئ العربي تحديدًا احترامًا نادرًا في أدبيات القراءة، وتُخرجه من صورة «المتلقّي» الجامد إلى صورة الفاعل الذي يُعيد كتابة العالم في ذهنه مع كل كتاب يفتحه.
حين تصبح القراءة طريقة حياة
القراءة في هذا الكتاب ليست نشاطًا هامشيًا يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه. إنها شكل من أشكال الحياة الكاملة. النصوص تُلمّح، كلٌّ بأسلوبها، إلى أن القارئ الحقيقي يصبح أكثر قدرةً على فهم نفسه، وفهم الآخرين، وفهم العالم المتشابك من حوله؛ لأن الكتب تصنع تلك المسافة الضرورية بين الحدث وردّ الفعل، وبين الفكرة والحكم عليها.
يشير النقّاد إلى أن الكتاب يربط بذكاء بين القراءة وبين حماية الإنسان من آفات ثلاث: السطحية، والتعصّب، وضيق الأفق. حين نقرأ تجارب بشرية من ثقافات وأزمنة مختلفة، نكتشف أن طريقتنا في رؤية الأشياء ليست الوحيدة، وليست بالضرورة الأفضل. نرى العالم بعيون امرأة في القرن التاسع عشر، أو طفل في مدينة بعيدة، أو رجل يعبر هزائمه بصمت… فتنمو في دواخلنا مرونة إنسانية لا يمنحها أي خطاب جاهز أو منشور عابر.
والكتاب يُذكّرنا بحقيقة جوهرية: المكتبة ليست مجرد أرفف تصطفّ عليها الكتب، بل فضاء حرية. فيها يختار القارئ طريقه بنفسه، دون أن يُملي عليه أحدٌ ماذا يقرأ أو ماذا يُعجبه. حرية القراءة ليست ترفًا، بل شرطٌ جوهري ليبقى الكتاب قادرًا على تغيير القارئ… وتغيير العالم.

في النهاية، «داخل المكتبة خارج العالم» ليس كتابًا عن القراءة بقدر ما هو كتاب عن القارئ نفسه. يعيد طرح الأسئلة القديمة بنبرة جديدة: لماذا نقرأ؟ وكيف نقرأ؟ ولأيّ شيء نمنح وقتنا ووعينا؟
قد تخرج من صفحاته وأنت تحمل إجابة مختلفة عن تلك التي دخلت بها. وربما تخرج بقائمة كتب جديدة تتوق لاكتشافها. لكن الأهم من كل ذلك، أنك تخرج بصورة جديدة عن نفسك: لستَ مجرد شخص يمسك كتابًا… بل ذاتٌ تُعيد بناء عالمها، بهدوء، داخل مكتبة… وخارج العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى