د.مضاوي القويضي .. قراءة في اكتمال مختلف

بقلم: صالحة آل بيهان القحطاني

لا تأتي بعض الشخصيات لتُعرّف عن نفسها، بل لتعيد تعريف المعاني حولها: الإعاقة، والإنجاز، والإيمان، والدور، وحتى “المساعدة”.
في لقاءٍ حضوري هو الأول بيني وبين الدكتورة مضاوي بنت دهام بن سعود القويضي، اكتشفت أنني لا أحاور ضيفة بقدر ما أقرأ سيرة تمشي على هيئة صوتٍ هادئ… ووعيٍ صريح… ورسالةٍ لا تحب الضجيج.

هذا الحوار— كما وصفته الدكتورة نفسها—لم يكن “لقاءً صحفيًا” بالمعنى التقليدي، بل مساحة إنسانية كسرت الحواجز، وفتحت بابًا لفهمٍ أوسع لذوي الإعاقة بعيدًا عن الشفقة والتصنيف، وأقرب إلى المعنى: إنسانٌ كامل، يرى ذاته أولًا، ثم يرى المجتمع بوصفه مجالًا للفعل لا للتلقي.

•هوية تتقدّم على التعريف

الدكتورة مضاوي بنت دهام بن سعود القويضي أكاديمية وباحثة سعودية في الدراسات القرآنية والبلاغة القرآنية، وكاتبة وأديبة، وناشطة في قضايا ذوي الإعاقة، ومستشارة نفسية وأسرية، ووكيلة أدبية مرخّصة من هيئة الأدب والترجمة والنشر. تنتمي إلى فئة ذوي الشلل الدماغي المؤثر حركيًا دون المساس بالقدرات العقلية، وقد جعلت من تجربتها الشخصية مسارًا واعيًا يجمع بين العلم الشرعي، والصحة النفسية، والعمل الدعوي والإعلامي، إلى جانب الإبداع الأدبي والفني، مقدّمة نموذجًا مختلفًا في تمكين ذوي الإعاقة يقوم على الوعي والرسالة لا على الشفقة أو الاستعراض.

•الأسرة… حين يُصنع المعنى قبل المسار

تؤكد الدكتورة مضاوي أن الأثر الأعمق في تشكيل شخصيتها بدأ من البيت؛ من والدتها تحديدًا، التي لم تكن أمًّا راعية فقط، بل قوة دافعة وصانعة وعي مبكر، غرست فيها الإيمان بالذات قبل أي شيء، وجعلتها ترى نفسها إنسانة كاملة قبل أن تُرى كحالة. ومن هذا الإدراك المبكر، بدأت علاقتها بالحياة لا دفاعًا عن ذاتها، بل تعريفًا جديدًا لمعنى الاكتمال.

وإلى جانب هذا الحضور، كان والدها اللواء دهام القويضي سندًا ثابتًا ومرجعًا واثقًا، منحها الطمأنينة والثقة دون ضغط أو اشتراط. كما شكّلت شقيقاتها الدائرة الأقرب في مسيرتها، حيث قام الرابط بينهن على التساند والقبول والقدوة المتبادلة.
وتواصل حديثها عن شقيقها الدكتور أنه يراها القدوة؛ إذ يرى فيها نموذجًا للوعي والصبر والإنسانية، ويؤمن أن تأثيرها الإيجابي لم يكن عليه وحده، بل امتد ليشمل الأسرة كلها.
وتؤكد مضاوي أن هذا المحيط الأسري لم يكن حماية بقدر ما كان بناءً للثقة، ورافعة إنسانية منحتها التوازن والشعور العميق بالانتماء.

•الطفولة… حين تحوّلت الإعاقة إلى حكمة

بدأ وعي مضاوي بذاتها منذ الطفولة؛ إذ لم تنظر إلى إعاقتها بوصفها عائقًا، بل حكمة إلهية ومسارًا مختلفًا للارتقاء. نشأت في زمنٍ لم يكن فيه حضور واضح لذوي الإعاقة، لكنها برزت منذ مراحلها الدراسية الأولى، وحرصت على الاندماج في التعليم العام، متفوقة ومحبوبة بين زميلاتها.

وبوعيٍ مبكر وإيمانٍ عميق، واصلت مسيرتها التعليمية حتى الدراسات العليا، متجهة إلى تخصص القرآن الكريم وعلومه، ثم البلاغة القرآنية، إيمانًا منها بأن القرآن أصل العلوم وأشرفها، وأن المعرفة تُبنى على الفهم لا على الظروف. أنهت مرحلتها العليا بتقدير امتياز بعد المناقشة، وبمعدل تراكمي (4.13)، متخرجة عام 2018، في مسار يعكس انضباطًا معرفيًا أكثر من كونه سباق أرقام.

•وعيٌ لا شكوى… وتصالحٌ لا صراع

في حديثها، لا تحضر الإعاقة كمأساة، ولا الإنجاز كاستثناء. تتحدث بصدق دون إنكار، وبإيمان دون ادّعاء، وتنقل التجربة من حدود الجسد إلى رحابة الفكرة. ترى الاختلاف جزءًا طبيعيًا من التنوع الإنساني، وتؤمن أن المشكلة ليست في التحدي الصحي بقدر ما هي في الأفكار التي يُقيمها الإنسان حول ذاته. نبرة حديثها هادئة، متزنة، خالية من الشكوى أو الدفاع، وكأنها تتحدث من موقع تصالح لا صراع.

•”الدعاء بالشفاء” ليس بديلًا عن القبول

تشير الدكتورة مضاوي إلى أن بعض مظاهر التعاطف المجتمعي—رغم حسن النية—قد تحمل شعورًا غير مقصود بالإقصاء، حين يُختزل حضور ذوي الإعاقة في الدعاء بالشفاء لا في القبول بوجودهم كما هم. وهي، مع تقديرها للدعاء، ترى أن القبول الحقيقي يعني المشاركة في الحياة والحوار والحضور دون إشعارها بأنها أقل اكتمالًا أو مختلفة.

•الصورة النمطية الأقسى… وربح المعنى بالعمل

تصف الدكتورة مضاوي أصعب الصور النمطية التي واجهتها بأنها تلك التي تربط الإعاقة بالضعف أو قلة الذكاء. تجاوزت هذه الصورة بالعمل والإنجاز، حتى غدا منجزها العلمي والأدبي شاهدًا على وعيها وقدراتها، وامتلاكها ذكاءً حادًا بشهادة مختصين في علم النفس والإرشاد. وتؤكد أن مسيرتها لم تكن جهدًا فرديًا، بل ثمرة دعم متكامل بدأ من الأسرة وامتد إلى دوائر إنسانية ومهنية متعددة.

•القرآن والصحة النفسية… حصنٌ لا ترف معرفي

توضح الدكتورة مضاوي أن التقاء الدراسات القرآنية بالصحة النفسية لم يكن ترفًا معرفيًا، بل قناعة عميقة بأن القرآن الكريم يشكّل حصنًا للمناعة النفسية والسلوكية، ويمنح الإنسان قدرة على فهم الذات وضبط السلوك. ومن هذا الإيمان، اتجهت إلى علم النفس، وتلقت تدريبًا وتأهيلًا مهنيًا في العلاج النفسي والسلوكي، والعمل بالعلاج بالقراءة والكتابة، وحصلت على شهادات معتمدة، ما أتاح لها العمل كمستشارة نفسية وأسرية، ودعم الأسر وكبار السن وذوي الإعاقة في تجاوز الأزمات.

•الإيمان… ركيزة التعافي لا بديل الأسباب

ترى الدكتورة مضاوي أن الإيمان هو الركيزة الأهم في التعافي النفسي؛ يمنح يقينًا بأن بعد كل عسر يسرًا، وأن الابتلاء ليس نهاية الطريق بل بابًا للفرج ورفعة الدرجات. لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن الإيمان لا يلغي الأخذ بالأسباب، بل يتكامل مع العمل والدعم النفسي والاجتماعي.

•الرياضة… اندماج وتمكين

تتحدث عن تجربتها في رياضة ذوي الإعاقة، وممارستها لعبة البوتشيا ضمن نادٍ مخصص لذوي الشلل الدماغي، وهي لعبة تعتمد على التركيز الذهني أكثر من الجهد البدني. تؤكد أن هذه التجربة عززت تفاعلها مع الآخرين، وأسهمت في بناء صداقات وتحفيز زملائها على مواصلة التعليم والحياة، مؤكدة أن القدرة لا تُقاس بالجسد بل بالإرادة. وتشدد على أن الشلل الدماغي لا يعني ضعفًا عقليًا، بل يقتصر على الجانب الحركي فقط.

•المساعدة… قيمة قبل أن تكون مقابلًا

في فهمها للمساعدة، ترفض الدكتورة مضاوي اختزالها في البعد المادي، وترى أن المساندة المعنوية والأدبية هي الأهم. تتحرّج من طلب المال، لكنها تؤكد حقها في التقدير المعنوي والاعتراف الأدبي بوصفهما حقًا مشروعًا لا حرج فيه.

•الفن… فعل حياة لا استعراض

ترى الدكتورة مضاوي أن الفن مساحة تعبير ونجاة قبل أن يكون طريقًا للنجاح. الكتابة، والشعر، والفن الرقمي، والتصميم ليست أدوات استعراض، بل منافذ للتفريغ والتواصل الإنساني. تكتب بالفصحى والعامية، وتميل إلى الشعر القصير والنثر وفن الهايكو، وتؤكد أن الفن لديها فعل حياة قبل أن يكون فعل إنجاز.

وتضيف أن لوحاتها تعبّر عمّا رُسم وما تُرك خارج اللون أيضًا، وتحمل في طياتها فكرًا وثقافة وتجربة إنسانية. ومن لوحاتها أعمال وطنية، منها لوحة الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود رمزًا لطموح ورؤية مستقبلية. كما ترى أن لوحة “البيت الطين” (البيت النجدي التراثي) هي الأقرب إليها اليوم، لما تحمله من دلالة الجذور والهوية؛ ففي نجد جذورها، وفي الجنوب امتدادها، وفي الشرق وطنها، وفي الغرب روحها الإسلامية.

•الإعلام… رسالة قبل أن يكون منصة

توضح الدكتورة مضاوي أن دخولها مجال الإعلام لم يكن بداية من الصفر؛ فقد سبقه نشر مقالات في منصات عربية، لكن التحول الحقيقي جاء بدعم مهني صادق تمثّل في التدريب على العمل الصحفي الاحترافي دون مقابل، سوى الإيمان بقدراتها. ترى الإعلام مسؤولية ورسالة قبل أن يكون منصة، وتؤكد أنها تعبّر عن تجربتها الفردية لا باسم الجميع، ملتزمة بالمحتوى الهادف واحترام الخصوصية.

•الكتب الأقرب… وثمرة العمر

تقول إن كتابها في البلاغة القرآنية في سورة الرحمن هو الأقرب إليها في هذه المرحلة، وتصفه بأنه ثمرة العمر والحجة التي ترجو أن تلقى بها الله. وفي الوقت ذاته، تعيش مرحلة إبداعية مختلفة عبر نصوص قصصية ضمن “أقاصيص عابرة”، وتمزج فيها بين الرومانسية والخيال، معتبرة أن بعض أعمالها الأولى تمثل مرحلة تعلّم لا تقلل من قيمة المسار.

•حين ينتهي الحوار ويبقى الأثر

حين انتهى اللقاء، لم أشعر أنني أغلقت دفتر أسئلة، بل أنني أغلقت مساحة إنسانية نادرة الامتلاء. ما رأيته في الدكتورة مضاوي القويضي—في حديثها، وفي صمتها، وفي اللوحات التي أحضرتها معها—لم يكن مجرد سيرة نجاح، بل تجربة وعي مكتملة التفاصيل، لا تبحث عن التعاطف ولا تطلب التفسير.

في لوحاتها، كما في حضورها، بدا المعنى متقدمًا على الشكل؛ البيت الطين ليس جدارًا قديمًا، بل ذاكرة وهوية، واللوحة الوطنية ليست صورة، بل موقف، والطفولة في رسوماتها ليست هروبًا، بل احتفاظًا بالدهشة الأولى. حتى القلادة التي حملت اسمها لم تكن زينة، بل إعلانًا هادئًا عن هوية تعرف من تكون، ولماذا اختارت هذا الطريق.

خرجتُ من هذا اللقاء وأنا أكثر يقينًا بأن الإعاقة ليست ما يُرى، بل ما يُفهم خطأ، وأن الإنسان—حين يمتلك وعيه—لا يحتاج إلى رفع صوته ليُسمَع. مضاوي القويضي لم تُقدّم نفسها بوصفها استثناءً، بل بوصفها إنسانًا كاملًا، آمن أن القرآن وعيٌ يُعاش، وأن الفن نجاة، وأن الأثر الحقيقي لا يحتاج ضجيجًا ليبقى.

هذا اللقاء لم يكن حوارًا صحفيًا بقدر ما كان شهادة إنسانية؛ شهادة على أن بعض الأشخاص لا يمرون في حياتنا كموضوعات للنشر، بل كمساحات لإعادة التفكير… في المعنى، وفي الإنسان، وفي الطريقة التي ننظر بها إلى بعضنا البعض .

زر الذهاب إلى الأعلى