الإنتاجية لا تُدرَّس… بل تُنظَّم …… بقلم ا/ ولاء بنت علي الحكمي

قبل فترة، عرضت عليه مشكلة  باختصار، ومفادها (السنة الماضية أنفقنا أكثر من مليون ريال على دورات تدريبية، الموظفين راضين، الشهادات معلقة على الجدران، لكن بصراحة الإنتاج لم يتحسن بشكل واضح).

تحليلي للمشكلة : إنهم عالجوا الأعراض وليس أصل المشكلة. التدريب يطور مهارات الأفراد، لكن الإنتاجية تعتمد على كيف المؤسسة كلها تشتغل.

فالتدريب وحده لا يكفي،

كثير من الشركات تتعامل مع التدريب كحبة أسبرين – عندك مشكلة؟ قدم كورس تدريبي. لكن الحقيقة التي تعلمتها من الميدان: ممكن يكون عندك أفضل موظف في العالم، مدرب ومؤهل ومتحمس،لكن لو وُضع في نظام عمل معطوب، سيفشل.

الإنتاجية ليست موضوع مهارات فردية فحسب، بل تعتمد على الهيكل التنظيمي، العمليات، التنسيق بين الأقسام، والأنظمة المستخدمة.

القصة كاملة

عندما نزلت الميدان وقضيت وقتاً أراقب الواقع، اكتشفت المشكلة الحقيقية. قسم المبيعات يأخذ الطلب ويرسله للإنتاج بمعلومات ناقصة. الإنتاج يبدأ العمل ويكتشف أن في تفاصيل مهمة غير واضحة.يتواصل الإنتاج مع المبيعات، لكن الفريق يكون مشغولًا، فيتأخر الرد لساعات.يتوقف خط الإنتاج، بينما لا تملك المستودعات صورة واضحة عن الأولويات، فيعمل الجميع بطريقة عشوائية.

النتيجة؟ تأخير، وإعادة عمل، وهدر، وكل قسم يلوم الآخر.

عندما عدتُ إلى المدير، قال:”طيب الحل؟ ندربهم على التواصل الفعال؟”

قلت له: لا، الحل نُصلح النظام نفسه.

فجلسنا مع رؤساء الأقسام، ونفّذنا أربع تغييرات بسيطة:

أولًا: نموذج طلب موحّد يحتوي على جميع المعلومات المطلوبة، ولا يمكن للمبيعات إرسال أي طلب إلا بعد استكمال جميع الخانات.

ثانياً:اجتماع تنسيق يومي قصير (15 دقيقة) يجمع الأقسام الثلاثة لمراجعة طلبات اليوم والأولويات.

ثالثاً:حددنا مسؤوليات واضحة وأوقات استجابة محددة لكل قسم.

رابعاً:بعد أن تم تثبيت النظام الجديد، درّبنا الفرق على تطبيقه والالتزام به.

خلال شهرين، انخفض زمن تنفيذ الطلب بشكل ملحوظ، قلّ الهدر،

وأصبح الموظفون أقل توترًا.

وبعد ثلاثة أشهر، تواصل المدير مؤكدًا وضوح الأثر على الأداء واستدامة النتائج.

المشاكل التنظيمية الأكثر شيوعاً

من خبرتي مع عشرات المؤسسات، هناك مشاكل تنظيمية تتكرر باستمرار وتقتل الإنتاجية:

على سبيل المثال مشكلة الهيكل المعقد: أي قرار بسيط يجب أن يمر على خمس مستويات إدارية.قلّصنا المستويات إلى اثنين، وفجأة أصبحت القرارات التي كانت تستغرق أسبوعين تُنجز خلال يومين.

مثال آخر الأدوار والمسؤوليات غير واضحة، احتكاك دائم بين بين الإدارات. السبب؟ لا يوجد وصف وظيفي واضح. وضحنا المسؤوليات وكتبناها، الاحتكاكات تلاشت بدون ورش عمل ودورات.”وهذا لا يعني التقليل من أهمية التدريب والتطوير، بل التأكيد على أن التنظيم هو الأساس الذي تُبنى عليه أي مبادرة تدريبية ناجحة”.

كذلك اشكالية العمليات المكررة: مثلاً كل موظف يسجل نفس المعلومات في ثلاثة أنظمة مختلفة يدوياً. دمجنا الأنظمة، الوقت انخفض من 20 دقيقة لـ 7 دقائق.

بعد سنوات من الخبرة، أصبحت لدي قناعة راسخة: (لو عندك مشكلة في الإنتاجية، ابدأ بمراجعة النظام التنظيمي قبل ما تفكر بالتدريب).

التدريب حل سهل ومريح نفسياً. لكن التطوير التنظيمي يحتاج شجاعة – تعترف بوجود خلل في النظام نفسه،وتغيّر طرقًا راسخة منذ سنوات، وتواجه مقاومة. لكن النتائج تستاهل.

الخطوات العملية من تجربتي المهنية لمثل هذه الحالات:

انزل للميدان: لا تكتفي بالتقارير.اقضِ وقتًا مع الموظفين، راقب كيف يسير العمل، واسألهم عمّا يعيقهم.

حلّل البيانات: أين تقع الاختناقات؟ أين يحدث التأخير؟ وأي العمليات تستغرق وقتًا أطول من اللازم؟

بَسِّط العمليات: أي خطوة لا تضيف قيمة، احذفها. وأي عملية معقّدة، بسّطها.

وضّح الأدوار: يجب أن يعرف كل موظف بدقة ما هو دوره، وما هي مسؤولياته، وأين تنتهي حدود صلاحياته.

حسّن التنسيق: ضعوا آليات واضحة للتواصل بين الأقسام، مثل الاجتماعات الدورية والأنظمة المشتركة.

وأخيرًا، درّب: بعد أن تُصلح المنظومة، درّب الناس على العمل فيها بكفاءة.

وأختم هذا المقال بمعلومة من منظوري المهني:

أدرك أن التطوير التنظيمي يبدو أصعب من إرسال الموظفين إلى الدورات التدريبية.هذا الاستثمار يُثبت أثره مرات عديدة، لأنك لا تحل مشكلة مؤقتة، بل تبني أساس قوي للمستقبل.

رؤية 2030 تتطلب منا إنتاجية أعلى وكفاءة أكبر.وهذا لن يتحقق من خلال الدورات التدريبية وحدها.بل سيتحقق عندما نعيد النظر في طريقة عملنا، ونبني أنظمة عمل ذكية وفعالة.

جرّبوا، وستلاحظون الفرق.​​​​​​​​​​​​​​​​

زر الذهاب إلى الأعلى