هل تؤثر دعوات مقاطعة كأس العالم 2026 في أميركا و”فيفا”؟

تتسارع وتيرة التوتر المتصاعد بين عدد من الدول الأوروبية وأميركا، على خلفية سعي الرئيس دونالد ترمب لضم غرينلاند، الإقليم التابع للدنمارك والمتمتع بالحكم الذاتي. وألقت الأزمة المستمرة بين الطرفين بظلالها على نهائيات كأس العالم 2026 التي من المقرر أن تستضيفها أميركا بالشراكة مع المكسيك وكندا بين الـ11 من يونيو والـ19 من يوليو المقبلين.

وشهدت الأيام الأخيرة دعوات لمقاطعة البطولة الأكبر عالمياً للعبة الشعبية الأولى اعتراضاً على سياسة الرئيس الأميركي تجاه حلفاء بلاده، إذ دعا العضو في البرلمان الفرنسي إريك كوكريل عن حزب فرنسا الأبية، الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أمس الثلاثاء إلى حصر استضافة المونديال في المكسيك وكندا فقط من دون أميركا.
وكتب كوكيريل البالغ 67 سنة عبر منصة “إكس”، “بجدية، هل يعقل إقامة كأس العالم في دولة تهاجم جيرانها وتهدد بغزو غرينلاند وتنتهك القانون الدولي، وتسعى لتقويض الأمم المتحدة، وتنشئ ميليشيات فاشية وعنصرية داخل حدودها وتهاجم المعارضة، وتمنع مشجعي نحو 15 دولة من حضور البطولة، وتخطط لحظر جميع رموز مجتمع الميم من الملاعب…؟”.
وقال رئيس اللجنة المالية في البرلمان “السؤال جدي، لا سيما أنه لا يزال من الممكن إعادة التركيز على المكسيك وكندا”.
وردت وزيرة الرياضة الفرنسية مارينا فيراري على دعوة مواطنها قائلة للصحافيين أمس “كما هي الحال الآن، لا توجد لدى الوزارة أية رغبة في مقاطعة هذه البطولة الكبرى”.
وأضافت “لا أستطيع التكهن بما قد يحدث، لكنني سمعت أيضاً أصواتاً مرتفعة من بعض الكتل السياسية. أنا من الأشخاص الذين يؤمنون بفصل الرياضة عن السياسة. كأس العالم لحظة مهمة جداً لعشاق الرياضة”.
وفي ألمانيا التي تعد عملاق القارة العجوز، تقرر أن يحدد الاتحاد الألماني لكرة القدم “بصورة مستقلة” مسألة مقاطعة بطولة كأس العالم، وذلك رداً على الدعوات المتزايدة داخل ألمانيا لاتخاذ موقف حازم ضد تهديدات ترمب.
وقالت وزيرة الدولة لشؤون الرياضة في ألمانيا كريستيان شندرلاين ضمن تعليق عبر البريد الإلكتروني لوكالة الصحافة الفرنسية، رداً على سؤال حول احتمال مقاطعة مونديال 2026 “تقع مهمة التقييم على عاتق الاتحادات المعنية، أي الاتحاد الألماني لكرة القدم و’فيفا‘. وستقبل الحكومة الاتحادية بما تقرره هذه الهيئات”.
وأضافت شندرلاين، وهي عضوة في حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الذي ينتمي إليه المستشار فريدريش ميرتس “تحترم الحكومة الاتحادية استقلالية الرياضة. إن القرارات المتعلقة بالمشاركة في الأحداث الرياضية الكبرى أو مقاطعتها تقع حصرياً ضمن صلاحيات الاتحادات الرياضية المتخصصة، وليس المجال السياسي”.
وهددت أميركا بفرض رسوم جمركية أعلى على الدول الأوروبية المعارضة لسعيها ضم غرينلاند، مما دفع بعض الأصوات في ألمانيا إلى طرح فكرة المقاطعة، أو حتى المطالبة بإلغاء البطولة.
وقال النائب المحافظ البارز رودريش كيزفيتر لصحيفة “أوغسبورغر ألغيماينه” أمس “إذا نفذ دونالد ترمب تهديداته في شأن غرينلاند وبدأ حرباً تجارية مع الاتحاد الأوروبي، سيكون من الصعب تخيل مشاركة الدول الأوروبية في كأس العالم”.
أما النائب الآخر من الاتحاد المسيحي الديمقراطي والمتحدث باسم حزبه للشؤون الخارجية يورغن هارت، فقد صرح لصحيفة “بيلد” بأن “إلغاء البطولة” قد يكون “الخيار الأخير لإعادة الرئيس ترمب إلى رشده”.
ومن جانبه، دعا النائب الاشتراكي الديمقراطي سيباستيان رولوف إلى “رد أوروبي موحد”، طارحاً لصحيفة “هاندلزبلات” الاقتصادية احتمال “النظر في التخلي عن المشاركة في كأس العالم”.
ويظهر استطلاع لمعهد “إنسا” لمصلحة صحيفة “بيلد”، أجري الخميس والجمعة الماضيين على عينة من ألف شخص، أن نحو نصف الألمان (47 في المئة) يوافقون على مقاطعة المونديال في حال أقدمت واشنطن على ضم غرينلاند فعلياً، بينما يعارضها نحو 35 في المئة.
وتعد ألمانيا، حاملة اللقب العالمي أربع مرات، من المنتخبات التي لم تتخلف عن المشاركة في كأس العالم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، ضمن نسخة 1950.
وتأتي هذه الدعوات لتزيد من حجم كرة الثلج التي تهدد الاتحاد الدولي للعبة، الذي تجمع رئيسه جياني إنفانتينو علاقة وثيقة بالرئيس الأميركي، إذ أهدى السويسري الرئيس الأميركي أول نسخة من جائزة “فيفا” للسلام خلال الخامس من ديسمبر (كانون الأول) 2025، على هامش سحب قرعة دور المجموعات بكأس العالم.
وأصبح إنفانتينو (55 سنة) الذي يتولى رئاسة (فيفا) منذ الـ26 من فبراير (شباط) 2016 في موقف حرج بعد انتشار خبر مهاجمة الجيش الأميركي لفنزويلا، واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، سعياً لمحاكتهما في أميركا.
وتصف الأمم المتحدة هذا النوع من الأفعال بأنه “استخدام القوة المسلحة من جانب دولة ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو بأية طريقة أخرى لا تتفق مع ميثاق الأمم المتحدة”، وفق ما ورد في قرار الجمعية العامة رقم 3314 لعام 1974.
وقالت مجموعة الدفاع عن حقوق الإنسان في كرة القدم “فيرسكوير” ضمن بيان لصحيفة “اندبندنت”، “العدوان هو الجريمة الدولية الأكبر. من الواضح أن ترمب يعتقد أنه يستطيع الاعتماد على دعم إنفانتينو مهما فعل، وإنفانتينو بدوره لا يبدو قلقاً من ربط عربة ’فيفا‘ بترمب ما دام الاتحاد يواصل جني ملياراته. إنها مأساة للعبة أن يجد كأس العالم نفسه الآن عالقاً وسط هذه المقايضة القذرة”.
وضمن سياق منفصل، دعا المدرب الفرنسي المخضرم كلود لوروا (77 سنة) الدول الأفريقية إلى مقاطعة كأس العالم المقبلة رداً على سلوك ترمب وإنفانتينو ضد القارة، بحسب وصفه.
المدرب الذي سبق له قيادة ستة منتخبات أفريقية، كان آخرها توغو بين عامي 2016 و2021، قال ضمن مقابلة مع صحيفة “ليكيب” الفرنسية، أمس “أتساءل إن كان ينبغي ألا ندعو إلى مقاطعة كأس العالم 2026، بالنظر إلى سلوك دونالد ترمب تجاه هذه القارة، وكذلك رئيس ’فيفا‘ (جياني إنفانتينو) الذي يتفاخر بأنه إلى جانبه. القادة على أعلى مستوى في كرة القدم لم يعودوا يتحدثون أبداً عن كرة القدم بل فقط عن المال”.
وأضاف “لقد حضرت مؤتمر اتحاد كرة القدم الأفريقي، وأردت أن أتكلم مرات عدة، لكن لم يمنح لي الميكروفون لأن الجميع كان يعلم أنني لن أكون بالتأكيد متساهلاً. معركتي لم تنته بعد في هذا الشأن”.
وحضر لوروا نهائي كأس الأمم الأفريقية في المغرب، والتقطت عدسات الكاميرات حديث قائد المنتخب السنغالي ساديو ماني معه خلال فترة انسحاب “أسود التيرانغا” من ملعب المباراة، رفضاً لاحتساب ضربة جزاء للمنتخب المغربي، قبل عودة الفريق للملعب وتتويجه باللقب.
وعلى رغم الضغوط المتزايدة على “فيفا” تبدو النسخة الموسعة الأولى من كأس العالم بمشاركة 48 منتخباً في طريقها لتحقيق نجاح جماهيري غير مسبوق، إذ أعلن الاتحاد الدولي قبل أيام وصول عدد الطلبات للحصول على تذاكر المباريات إلى نصف مليار طلب مع إغلاق باب التسجيل في قرعة الاختيار العشوائي.
هذا الرواج الهائل لتذاكر المباريات على رغم ارتفاع أسعارها بنسبة كبيرة مقارنة بالنسخة الماضية في قطر 2022 يخفف من الضغوط الجماهيرية على “فيفا”، في شأن أسعار التذاكر ومدى توافرها.
وكانت مجموعات جماهيرية أوروبية ضغطت على حكومات بلادها للتفاوض مع “فيفا” في شأن ضرورة خفض أسعار التذاكر، وتوفير تذاكر أكثر للجماهير الوطنية المرافقة للمنتخبات المشاركة، وعلى رغم خفض الاتحاد الدولي أسعار بعض التذاكر فإنه أشار ضمن بيان سابق إلى أن كأس العالم “بطولة فريدة وسوق فريدة أيضاً، خصوصاً في أميركا، حيث يسمح بإعادة البيع عبر المنصات الثانوية. والطلب مرتفع للغاية”. في تبرير لارتفاع أسعار التذاكر.

زر الذهاب إلى الأعلى