موضي القحطاني تروي رحلتها من فقدان البصر إلى التأثير المجتمعي

بقلم: أ. صالحة آل بيهان القحطاني

لم تكن الإعاقة البصرية في حياة موضي القحطاني نهاية الطريق، بل كانت بدايته الحقيقية نحو مسار مختلف، صنعت فيه ذاتها بالإرادة، وحوّلت الفقد إلى وعي، والتحدي إلى أثر مجتمعي وثقافي، لتصبح نموذجًا ملهمًا في التعليم والعمل التطوعي والتدريب والتأليف.

بدأت موضي رحلتها التعليمية في التعليم العام من الصف الأول حتى الصف الخامس الابتدائي، وفي الصف الخامس فقدت بصرها في العين اليمنى، لتُخرج بعدها من المدرسة، وتمكث في المنزل لمدة عامين. وعند عودتها لمواصلة التعليم، فقدت العين اليسرى أيضًا، لتدخل مرحلة جديدة من حياتها لم تُنهِ شغفها بالتعلّم.

التحقت بمعهد النور في أبها، وتمكنت من تعلّم طريقة برايل خلال أسبوعين فقط، ثم واصلت تعليمها حتى المرحلة الثانوية، وكانت من المتفوقات على مستوى منطقة عسير. ورغم أن طموحها كان الالتحاق بالجامعة، إلا أن الظروف الأسرية والبيئية لم تكن مهيأة لتحقيق هذا الحلم في تلك المرحلة.

اتجهت بعد ذلك إلى دور تحفيظ القرآن الكريم، وبدأت رحلتها مع الحفظ، فأنجزت حفظ عشرين جزءًا، وبالتوازي مع ذلك انخرطت في العمل التطوعي، وشاركت مع فرق تطوعية داخل وخارج المنطقة، كما افتتحت حلقة تحفيظ عن بُعد.

وقدّمت موضي أمسيات تحفيزية وإلهامية، ثم التحقت بأكاديمية دولية للمدربين العرب، حيث حصلت على وسام الالتحاق، وكانت من أوائل الكفيفات اللاتي دخلن مجال التدريب كمتدرّبة ومدرّبة. كما انضمت إلى نادي الخطابة (توستماستر) لتطوير مهارات الإلقاء، ورُشحت لاحقًا سفيرة للجمعية السعودية للتربية الخاصة «جستر» في منطقة عسير.

وشاركت في عدد كبير من المبادرات والملتقيات داخل المملكة، متنقلة بين الرياض، وحائل، ومكة المكرمة، وتبوك، والمدينة المنورة، حيث تنوّعت مشاركاتها بين ملتقيات توعوية وتثقيفية، وبرامج تعليمية داخل المدارس، من بينها فعاليات عن الكتاب والقراءة، مؤكدة حضورها المجتمعي والإنساني في أكثر من موقع.

وكان من أبرز محطاتها مشاركتها في مبادرة «أجاويد» التي أطلقها سمو أمير منطقة عسير تركي بن طلال، حيث شاركت في مواسمها الأول والثاني والثالث، ونالت وسام «أجاويد» في الموسم الثاني تكريمًا لمسيرتها وجهودها.

ومع ارتباطها بالقرآن، بدأت تتشكل لديها موهبة التأليف، فشرعت في كتابة كتابها «ببصيرتي أبدعت»، وهو كتاب يقوم على خواطر متنوعة تناولت فيه الإعاقة، والوطن، ومنطقة عسير، والقيادة، انطلاقًا من قناعتها بأن الإبداع لا يُقاس بسلامة البصر، بل بقوة البصيرة. وقد قادها إيمانها بمشروعها للقاء الكاتب والمدرب صالح درديري، الذي دعمها وساهم في إخراج العمل، كما تميّز الكتاب بمشاركة فنانين تشكيليين أسهموا بأعمال فنية رافقت النصوص ومنحت التجربة بُعدًا جماليًا.

ورغم رفض عدد من دور النشر للفكرة بسبب كونها كفيفة، واصلت موضي الإيمان بمشروعها، حتى حظيت بدعم كريم من الأميرة فهدة بنت فهد بن ناصر آل سعود، ليخرج الكتاب إلى النور عبر دار تكوين. وأقيم حفل تدشين الكتاب عن بُعد، في تجربة عكست قدرتها على توظيف التقنية لتجاوز العوائق.

وبسبب رفضها في كثير من الأماكن الميدانية، اتجهت موضي إلى الفضاء الرقمي، فاستثمرت التقنية في تقديم الأمسيات، والكتابة، واللقاءات، والمحتوى الإعلامي والموسيقي عبر المنصات الإلكترونية، ومن بينها مساحات X. كما أسهمت في تمكين الآخرين، حيث ساعدت أحد المكفوفين حديثًا على تعلّم استخدام الهاتف الذكي.

وقدّمت موضي القحطاني أعمالًا صوتية تناولت فيها تجربتها مع الإعاقة، وحب الوطن، وتقديرها للقيادة، إلى جانب قضايا حياتية ومجتمعية، وخواطر إنسانية، جعلت من الصوت مساحة صادقة للتعبير والتأثير.

وتشارك موضي اليوم بصوتها وقلمها وتأليفها في المناسبات الوطنية، والأيام العالمية، والمبادرات المجتمعية، مقدّمة محتوى يحمل رسالة إنسانية وثقافية. كما التحقت بشركة «خبراء» ضمن برامج الحاضنات والمسرّعات وروّاد الأعمال، وشاركت في دورات أسهمت في تحويل أفكارها إلى مشاريع، من بينها مشاريع في صناعة المحتوى، ومحاكاة الملاعب، ومحاكاة الحدائق، وهي مشاريع يُنتظر أن ترى النور قريبًا.

تعتمد موضي القحطاني في تفاصيل حياتها اليومية والعملية على الصوت والإحساس، إذ أصبحا نافذتها لفهم العالم والتفاعل معه. فالصوت بالنسبة لها ليس أداة مساعدة فحسب، بل لغة حياة ترافقها في كل ما تقوم به. ورغم تصالحها مع واقعها، لا تُخفي أمنيتها بعودة النظر، لا بحثًا عن الاكتمال، بل بدافع الشغف؛ فهي مشجعة عاشقة لنادي الهلال، وتتمنى أن ترى يومًا ألوانه وكؤوسه، كما تتمنى أن تبصر الكواكب والبحر، تلك الأشياء التي تحبها وتحمل لها معنى خاصًا في وجدانها.

كما نالت موضي القحطاني وسام الشيخة الدكتورة أم راكان آل الصباح ضمن مبادرة «لأنك تستحق»، في حفل أُقيم بـ «دار فيصل».

وحظيت بتكريم ودعم رسمي تمثّل في خطاب شكر من سمو أمير منطقة عسير تركي بن طلال، تقديرًا لمسيرتها وجهودها في مجالات التوعية والعمل المجتمعي والتأثير الإنساني. كما تؤكد موضي أن رحلتها لم تكن فردية، إذ حظيت بدعم واسع من إعلاميين وكتّاب وشخصيات مؤمنة برسالتها، وكان من أوائل الداعمين لها الأستاذ إبراهيم الخولي، والأستاذة منيرة العتيبي، إلى جانب عدد كبير من الإعلاميين والإعلاميات، والكاتبات والكتّاب، وشباب وفتيات آمنوا بتجربتها وقدّموا لها دعمًا معنويًا شكّل فارقًا مهمًا في مسيرتها.

تعكس قصة موضي القحطاني نموذجًا ملهمًا لتحويل الإعاقة البصرية إلى مسار فاعل في التعليم والتأثير المجتمعي والإبداع الثقافي، وتؤكد أن القيمة الحقيقية للإنسان تُقاس بما يقدّمه من أثر في محيطه، لا بما يفقده من حواس .


زر الذهاب إلى الأعلى